كشف أولياء أمور بمدرسة ياسر جينة الرسمية التجريبية التابعة لإدراة الشروق التعليمية بمحافظة القاهرة عن اتجاه الجهات التعليمية المختصة لنقل عدد من الطلاب إلى مدارس أخرى بينها مدرسة في منطقة الشروق ومدارس بعيدة عن مساكنهم ما أدى إلى غضب واسع ومطالبات بوقف التنفيذ والإبقاء على الأطفال داخل مدرستهم الحالية.

 

وتحمّل قرارات النقل الأسر كلفة فشل وزارة التربية والتعليم في توفير أماكن دراسية مستقرة وقريبة بعدما دفعت المصروفات وواجهت ارتفاع أسعار الكتب والخدمات بينما اختارت الإدارة نقل العبء إلى الأطفال وأولياء أمورهم بدل إعلان أسباب الأزمة وخطة علاجها والجهة التي تتحمل مسؤوليتها.

 

 

قرار مفاجئ بلا معايير

 

وبدأت الأزمة عندما تداول أولياء الأمور معلومات بشأن رغبة الإدارة التعليمية في توزيع بعض طلاب مدرسة ياسر جينة على منشآت تعليمية أخرى دون إخطار مسبق يوضح عدد الطلاب المشمولين أو الصفوف المستهدفة أو الأسباب الإدارية والتعليمية التي دفعت المسؤولين إلى طرح هذا الإجراء.

 

وعقب انتشار المعلومات حاول الأهالي معرفة المعايير التي استخدمتها الإدارة في اختيار الطلاب المقرر نقلهم لكنهم لم يتلقوا تفسيرا معلنا يحدد إن كان القرار مرتبطا بالكثافة أو أعمال الصيانة أو نقص الفصول أو إعادة توزيع الطلاب بين مدارس الإدارة التعليمية.

 

وفي المقابل أكد أولياء الأمور أن أبناءهم التحقوا بالمدرسة وفقا للإجراءات الرسمية وسددت أسرهم المصروفات المطلوبة ولذلك لا يجوز أن تتحول مشكلات التخطيط أو نقص الأماكن إلى سبب لاقتلاع الطلاب من بيئتهم التعليمية بعد انتظامهم فيها وارتباطهم بمعلميهم وزملائهم.

 

كما أوضح الأهالي أن بعض الأسر لديها أبناء موزعون بين المرحلتين الابتدائية والإعدادية داخل منظومة التعليم التجريبي وهو ما يجعل نقل أحد الأبناء إلى الشروق أو إلى مدرسة أخرى بعيدة عبئا يوميا يضاعف تكاليف الانتقال ويصعب متابعة الحضور والانصراف.

 

ومن جانبه سبق أن حمّل الخبير التربوي كمال مغيث سياسات عدم بناء مدارس كافية مسؤولية استمرار أزمة الكثافات مؤكدا أن الحلول الإدارية التي توسع الفترات أو تعيد توزيع الطلاب تأتي غالبا على حساب التلميذ والمعلم بدلا من معالجة العجز بزيادة الفصول والمعلمين.

 

وبناء على هذا الطرح يظهر قرار ترحيل طلاب مدرسة ياسر جينة باعتباره امتدادًا لسياسة تعالج نقص القدرة الاستيعابية بتحريك الأطفال بين المدارس بينما تظل أسباب النقص قائمة وتحتفظ الوزارة بالمباني والخطط والأرقام بعيدا عن رقابة الأسر المتضررة من نتائجها.

 

 

صرخات الأمهات أمام الإدارة

 

ثم توجهت إحدى الأمهات إلى مقر الإدارة التعليمية المختصة للاعتراض على قرار الترحيل وأكدت أن أبناءها يتعرضون للبهدلة داخل المنظومة التعليمية وأن الأسر لا تعرف الجهة التي يمكنها سماع شكواها أو وقف إجراء يهدد استقرار الطلاب قبل بداية تنفيذه فعليا.

 

وخلال اعتراضها قالت الأم إن أولياء الأمور تحملوا غلاء المصروفات وارتفاع أسعار الكتب عامًا بعد عام لكن نقل الطلاب وتشتيتهم بين مدارس متباعدة يمثل تجاوزا جديدا لحدود قدرتهم المالية والتنظيمية ولا يمكن اعتباره مجرد تعديل إداري محدود الأثر.

 

وفوق ذلك يفرض الانتقال إلى مدرسة بعيدة مصروفات إضافية للنقل ويجبر الأسر على تغيير مواعيد العمل ويعرض الأطفال لرحلات يومية أطول كما يخلق صعوبة خاصة للأمهات اللاتي يتابعن أكثر من طفل في مدارس ومراحل تعليمية مختلفة داخل المنطقة نفسها.

 

وفي هذا السياق دعت عبير أحمد مؤسسة اتحاد أمهات مصر للنهوض بالتعليم في مواقف سابقة المدارس والجهات التعليمية إلى مراعاة الظروف الاقتصادية للأسر وعدم المبالغة في المصروفات وتكاليفأتوبيسات المدارس والاستماع إلى شكاوى أولياء الأمور والعمل على معالجة المشكلات التي ترهق الطلاب وأسرهم.

 

لذلك لا تنفصل احتجاجات الأمهات عن الأعباء التي راكمتها السياسات التعليمية خلال السنوات الماضية لأن الأسرة التي سددت المصروفات واشترت الكتب ورتبت انتقال أبنائها أصبحت مطالبة الآن بتمويل مسافة أكبر فرضها قرار لم تشارك في مناقشته ولم تتسلم أسبابه مكتوبة.

 

وفي الوقت نفسه عبّرت إحدى الأمهات عن الأزمة بقولها إن أراضي البلاد واسعة وطالبت المسؤولين بترك المدرسة لأبنائها وعدم دفعهم نحو التشريد والبهدلة وهي مطالبة تكشف تمسك الأهالي ببقاء الطلاب في مكان قريب يوفر الحد الأدنى من الاستقرار الأسري والتعليمي.

 

 

استقرار الطلاب تحت التهديد

 

وبعد تصاعد الاعتراض طرح أولياء الأمور أسئلة مباشرة حول الجهة التي أصدرت قرار النقل والأساس القانوني والتنظيمي الذي تستند إليه وآلية الاعتراض عليه مطالبين وزارة التربية والتعليم بإعلان تفاصيل مكتوبة تمنع تنفيذ أي نقل انتقائي أو مفاجئ دون موافقة الأسر.

 

وعلاوة على ذلك شدد الأهالي على أن مطلبهم لا يقتصر على الراحة الشخصية بل يتعلق بحق الأطفال في الاستمرار داخل بيئة تعليمية عرفوها وحق الأسر في متابعة أبنائها وخدماتهم الصحية والتعليمية دون توزيعهم قسريا بين مؤسسات متباعدة جغرافيا.

 

ومن ناحية أخرى يوضح الخبير التربوي كمال مغيث في مواقفه المنشورة أن تعدد أنماط التعليم واتساع الفوارق بينها أضعفا مبدأ تكافؤ الفرص بينما تؤكد رؤيته أن جودة التعليم ومجانيته لا تتحققان عندما تتحمل الأسرة نفقات متزايدة مقابل خدمة غير مستقرة.

 

وبالمثل يشدد عبد الحفيظ طايل مدير المركز المصري للحق في التعليم في مواقفه الحقوقية على أن الدولة مسؤولة عن إتاحة التعليم دون تمييز وعن توفير المدارس والموارد اللازمة وهو ما يجعل نقل الأطفال بسبب عجز إداري مسألة تمس الحق في الإتاحة والاستقرار وليست مجرد توزيع داخلي.

 

ومن ثم تصبح وزارة التربية والتعليم مطالبة بتوضيح ما إذا كانت مدرسة ياسر جينة تواجه عجزا في الفصول أو تغييرا في نطاق القبول أو قرارا بإعادة تخصيص المبنى لأن غياب هذه المعلومات يمنع الأسر من تقييم القرار ويحول حق الاعتراض إلى مطاردة للشائعات.

 

وبالتوازي طالب أولياء الأمور المسؤولين في الوزارة والمديرية والإدارة التعليمية بالتدخل العاجل ووقف أي تنفيذ لحين عقد اجتماع معلن مع الأسر وعرض البدائل المتاحة ودراسة المسافات وأوضاع الأشقاء والطلاب الأصغر سنا قبل اتخاذ قرار يغير حياتهم اليومية.

 

وأخيرا تكشف أزمة مدرسة ياسر جينة أن الحكومة ما زالت تستخدم إعادة توزيع الطلاب بديلا عن بناء قدرة تعليمية كافية بينما يدفع الأطفال كلفة القرارات المباغتة وتدفع أسرهم المصروفات والنقل والكتب ثم تواجه خطر فقدان المدرسة التي اختارتها واستقرت فيها.

 

ولا يحتاج أولياء الأمور إلى وعود جديدة بقدر حاجتهم إلى قرار مكتوب يلغي الترحيل ويحافظ على الطلاب داخل مدرستهم ويعلن أسباب الأزمة والمسؤول عنها لأن حماية استقرار الأطفال واجب على الوزارة وليست منحة تقدمها بعد الاحتجاج أو تتراجع عنها بعد هدوء الغضب.