كشفت مصادر خاصة بالشركة القابضة للصناعات الغذائية أن وزارة التموين تدرس مصير أكثر من 1500 مجمع استهلاكي في القاهرة الكبرى بعد بدء التحول للدعم النقدي في أغسطس، وانتهت إلى ضم 500 منفذ لمشروع كاري أون.

 

ويفتح هذا التحرك الحكومي باباً سياسياً وإنسانياً بالغ الخطورة، لأن الدولة تعيد رسم شبكة توزيع الغذاء المدعوم بينما تترك مصير 1000 مقر وآلاف العاملين وحقوق الملاك والمواطنين معلقاً خلف اجتماعات مغلقة وقرارات غير منشورة.

 

وبحسب المصادر الصحفية، عقد وزير التموين شريف فاروق اجتماعات مكثفة خلال الشهر الماضي مع قيادات الوزارة والشركة القابضة، بينها الرئيس التنفيذي علاء ناجي، لحسم مستقبل المجمعات التي كانت تؤدي دوراً أساسياً في صرف الحصص التموينية.

 

وفي المقابل، حسمت الوزارة وفق المصادر تحويل 500 مجمع ومنفذ وبدال تمويني إلى العلامة الموحدة كاري أون، بما يعني أن جزءاً من البنية التموينية القديمة سيدخل سريعاً في نموذج تجاري جديد قبل إعلان مصير بقية الأصول.

 

شبكة التموين تتفكك

 

ومن ثم، لا تبدو القضية مجرد تغيير لافتات أو تطوير واجهات، بل انتقالاً عميقاً في فلسفة توزيع السلع، من منافذ مرتبطة بحق تمويني مباشر إلى شبكة بيع حديثة قد تخضع تدريجياً لمنطق السوق والربحية.

 

أما الأخطر، فهو أن 1000 مجمع بين الملكية والإيجار لم يحسم مصيرها حتى الآن، رغم اقتراب تطبيق التحول النقدي، وهو ما يكشف فجوة واضحة بين سرعة تغيير نظام الدعم وبطء حماية الأصول والعاملين والحقوق التعاقدية.

 

وفوق ذلك، تدرس الشركة القابضة التفاوض مع ملاك المقار المستأجرة بعقود جديدة وأسعار إيجارية وفق السوق، أو تسليمها إليهم مع انتهاء مهلة الإيجار القديم في مارس 2027، بما يضع مئات المواقع أمام تغيير وشيك.

 

وفي السياق نفسه، تؤكد القواعد المنظمة لإيجارات الأشخاص الاعتبارية لغير أغراض السكن انتهاء المهلة القانونية في مارس 2027، ما يجعل أي تأخير في التفاوض تهديداً مباشراً لاستمرار المنافذ وربما سبباً في نزاعات وإخلاءات واسعة.

 

وبالتالي، يصبح واجب الوزارة نشر حصر كامل بالمقار المملوكة والمستأجرة، وقيمها ومساحاتها ومواقعها والعاملين فيها، بدلاً من إدارة الملف باعتباره شأناً داخلياً، رغم أن هذه الأصول تكونت بأموال عامة وخدمت ملايين المواطنين.

 

ومع ذلك، لم تعلن الحكومة حتى الآن معايير اختيار الفروع المنضمة إلى كاري أون، ولا أسس استبعاد بقية المجمعات، ولا الجهة التي ستتحمل تكاليف التطوير، وهو غموض يضاعف الشكوك بشأن العدالة والشفافية.

 

ويقول الخبير الاقتصادي إلهامي الميرغني إن ما يجري يمثل إعادة ترتيب كاملة لملف الأمن الغذائي، مع انتقال أدوار الإنتاج والتخزين والتوزيع إلى كيانات جديدة، وهو تقدير يضع مشروع كاري أون داخل تحول أوسع من مجرد تحديث منافذ.

 

وعليه، فإن تحويل مئات المجمعات إلى علامة موحدة ليس إجراءً فنياً محايداً، بل جزء من إعادة بناء منظومة تتحكم في السلع والبيانات والدفع والتوزيع، بما يمنح الجهات المديرة نفوذاً واسعاً على حياة الأسر الفقيرة.

 

في المقابل، تصر الوزارة على أن كاري أون سيحافظ على الدور الاجتماعي للمنافذ ويوفر أسعاراً تنافسية وجودة أفضل، لكن هذا الوعد يظل ناقصاً ما لم يقترن بالتزام معلن بالأسعار والرقابة وعدم تحويل الدعم إلى سوق مغلقة.

 

مزاد على الأصول

 

وعلى صعيد آخر، تدرس الشركة القابضة تحويل ما تبقى من المجمعات إلى متاجر كبرى تنافس القطاع الخاص أو بيعها، وهي خيارات شديدة الحساسية لأنها تمس عقارات عامة ومواقع تجارية قد تبلغ قيمتها مليارات الجنيهات.

 

ولهذا، فإن أي بيع محتمل يجب ألا يمر عبر قرارات إدارية غامضة، بل من خلال تقييمات مستقلة ومزادات علنية ورقابة برلمانية ومحاسبية، مع نشر المشترين والأسعار والحصيلة، ومنع نقل الأصول إلى جهات نافذة.

 

ويحذر أستاذ الاقتصاد محمد البنا من أن شراء الزيت والسكر والأرز بالسعر الحر قد يجعل قيمة الدعم النقدي غير كافية لتغطية الاحتياجات الأساسية، ما يعني أن تغيير المنافذ يتزامن مع تهديد مباشر للقوة الشرائية.

 

ومن زاوية أوسع، فإن المجمع الاستهلاكي لم يكن مجرد متجر، بل أداة تدخل حكومي لضبط السوق وتوفير السلع وقت الأزمات، وتصفية هذا الدور أو تقليصه قد يترك المواطنين تحت رحمة الاحتكار وتقلبات الأسعار.

 

فيما بعد، قد تكتشف الحكومة أن الأموال النقدية لا تستطيع وحدها ضمان توافر السلع، لأن الأمن الغذائي يحتاج إلى مخزون وشبكة توزيع وقدرة على التدخل، وهي وظائف قامت بها المجمعات قبل أن تتحول إلى أصول قابلة للبيع.

 

وبموازاة ذلك، يظل مصير العاملين غائباً تماماً عن المعلومات المنشورة، فلا توجد ضمانات واضحة لاستمرار الوظائف والأجور والتأمينات، ولا خطة لإعادة التدريب أو النقل، رغم أن إعادة الهيكلة قد تقلب حياة آلاف الأسر.

 

وعندما تخفي الحكومة أثر قراراتها على العمال، فإنها تتعامل مع البشر باعتبارهم ملحقاً بالعقارات، لا أصحاب حقوق، وتكرر نمطاً معروفاً يبدأ بشعار التطوير وينتهي بالتسريح أو العقود الهشة وتراجع الحماية الاجتماعية.

 

الدعم يفقد قيمته

 

ومن ناحية المواطنين، فإن التحول إلى الدعم النقدي يثير مخاوف إضافية من تآكل القيمة بفعل التضخم، خصوصاً إذا جرى تحرير أسعار السلع داخل المنافذ الجديدة بينما بقي المبلغ المخصص لكل أسرة ثابتاً أو محدوداً.

 

ويشدد الخبير الاقتصادي محمد فؤاد على ضرورة ربط قيمة الدعم بمعدلات التضخم، ووضع معايير استحقاق معلنة، وإجراء دراسات أثر اجتماعي، وهي شروط تكشف حجم المخاطر إذا سبقت إعادة الهيكلة تلك الضمانات الأساسية.

 

وبناءً على ذلك، يصبح الربط بين كاري أون والدعم النقدي قضية تتجاوز الشكل التجاري، لأن المواطن قد ينتقل من استلام سلع محددة بسعر مدعوم إلى رصيد يتآكل سريعاً داخل شبكة تبيع وفق أسعار السوق.

 

وبخلاف الدعاية الرسمية، لا يكفي الحديث عن تجربة تسوق عصرية، فالأسر الفقيرة لا تبحث عن رفوف لامعة ولا علامات جذابة، بل عن خبز وزيت وسكر بأسعار تستطيع تحملها وسط موجات متلاحقة من الغلاء.

 

ومن جهة الملاك، يجب أن تلتزم الشركة القابضة بإعادة الحقوق في المواعيد القانونية أو توقيع عقود عادلة، لأن حماية المال العام لا تعني استمرار شغل ممتلكات الأفراد بإيجارات متدنية، كما لا تعني بيع الأصول العامة سراً.

 

وفي النهاية، تكشف أزمة 1500 مجمع أن الحكومة بدأت تغيير منظومة الدعم قبل أن تعلن خريطة واضحة للأصول والعمال والأسعار وحقوق الملاك، وهو ترتيب يضع الإدارة والربح قبل الحق الاجتماعي والأمن الغذائي.

 

ولهذا كله، تحتاج البلاد إلى وقف أي بيع أو تصرف نهائي حتى نشر خطة تفصيلية، وإخضاع المشروع لرقابة مستقلة، وضمان بقاء المنافذ أداة لحماية المواطنين، لا غنيمة عقارية جديدة تحت لافتة التطوير.