حذرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، في يونيو 2026، من تطور سريع لظاهرة النينيو في المحيط الهادئ الاستوائي، مع احتمال وصولها إلى مستوى معتدل أو قوي، بما يرفع مخاطر موجات حر أطول واضطراب الأمطار، ويضع مصر أمام صيف أكثر قسوة على المواطنين والموارد.
وتكشف التحذيرات أن الأزمة لا تخص المحيط الهادئ وحده، لأن مصر تدخل موسم الصيف وهي تعاني أصلًا من ضغط حراري ورطوبة مرتفعة وشح مائي متزايد، بينما تواصل الحكومة التعامل مع المناخ كملف طوارئ مؤقت لا كخطر يمس الصحة والزراعة والنيل.
موجات حر أطول تضغط على المصريين
أعلنت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أن احتمالات تشكل النينيو بين يونيو وأغسطس 2026 تصل إلى 80%، بينما ترتفع فرص استمرارها خلال الأشهر اللاحقة إلى نحو 90%، وهو ما يعني أن الصيف قد يتحول إلى اختبار مباشر لقدرة الدول على حماية السكان من الإجهاد الحراري.
وتعني هذه النسب بالنسبة لمصر أن الحديث عن موجات حارة طويلة لم يعد احتمالًا بعيدًا، خصوصًا أن الظاهرة ترتبط غالبًا برفع متوسط الحرارة عالميًا، وبزيادة فرص التطرف المناخي في مناطق متعددة، حتى وإن اختلفت شدة التأثير من دولة إلى أخرى.
ومن جانبها، ربطت الدكتورة منار غانم، عضو المركز الإعلامي بالهيئة العامة للأرصاد الجوية، بين النينيو واحتمال طول موجات ارتفاع درجات الحرارة في مصر خلال الصيف، مشيرة إلى إمكانية تسجيل قيم أعلى من المعدلات الطبيعية، على غرار ما حدث في 2024.
كما أوضحت غانم أن زيادة الرطوبة ترفع الإحساس بدرجات الحرارة بنحو 3 إلى 4 درجات، وهو عامل شديد الأهمية في مصر، لأن المواطن لا يواجه الحرارة المسجلة فقط، بل يواجه حرارة محسوسة تضرب العمل والتنقل والدراسة والصحة العامة.
وبذلك يصبح التحذير من النينيو في مصر تحذيرًا اجتماعيًا قبل أن يكون مناخيًا، لأن الفئات الأضعف تدفع ثمن الموجات الحارة أولًا، من عمال الشوارع وسائقي النقل إلى كبار السن والمرضى، بينما تظل إجراءات الحماية الرسمية مرتبطة بالنشرات لا بخطط ميدانية ملزمة.
النيل تحت المراقبة ومصر أمام حسابات أمطار المنابع
قال الدكتور أحمد عبد العال محمد، رئيس الهيئة العامة للأرصاد الجوية السابق وعضو المجلس التنفيذي بالمنظمة العالمية للأرصاد الجوية، إن التأثير الأهم للنينيو على مصر يرتبط بنهر النيل، لأن رصد حرارة المحيطات يساعد في توقع الأمطار وإيرادات النهر.
وتكتسب هذه النقطة خطورتها من أن مصر تعتمد على النيل كمصدر رئيسي للمياه، وأن أي تغير في أنماط المطر على منابع النهر، خصوصًا الهضبة الإثيوبية ومناطق القرن الإفريقي، ينعكس على حسابات التخزين والزراعة والري ومياه الشرب.
وأوضح عبد العال أن التأثير الحراري المباشر على إفريقيا ومنابع النيل قد يبدو محدودًا مقارنة بالمحيطات، لكنه شدد على أن التغير في درجات الحرارة يبقى مؤشرًا أساسيًا للتنبؤ بكميات الأمطار، وهو ما يجعل متابعة النينيو ضرورة لا ترفًا علميًا.
وفي هذا السياق، لا تنفصل ظاهرة النينيو عن اللانينيا، لأن الظاهرتين المتعاكستين تغيران حركة المياه والرياح والأمطار في نطاقات واسعة، وقد تؤدي النينيو إلى جفاف عنيف في مناطق، وفيضانات ضخمة وانهيارات أرضية في مناطق أخرى.
لذلك تبدو مصر أمام خطر مزدوج، فهي لا تنتظر فقط حرارة أعلى داخل حدودها، بل تراقب أيضًا ما يمكن أن يحدث بعيدًا عن حدودها عند منابع النهر، في وقت تتزايد فيه الحساسية السياسية والمائية حول كل متر مكعب يدخل المنظومة المائية المصرية.
إنذار عالمي لا تتحمله إدارة محلية بطيئة
حذرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية من أن معظم مناطق العالم مرشحة لتسجيل درجات حرارة أعلى من المعدلات الطبيعية بين يونيو وأغسطس 2026، كما رجحت أن تزيد الظاهرة من احتمالات موجات الحر والأمطار الغزيرة والاضطرابات الجوية في أكثر من إقليم.
ويشير هذا التحذير إلى أن مصر تحتاج إلى خطة واضحة قبل ذروة الصيف، تشمل حماية العاملين في ساعات الحر، ورفع كفاءة الإنذار المبكر، وتوجيه المستشفيات للتعامل مع ضربات الشمس، ومراجعة جداول المدارس والامتحانات والفعاليات العامة عند اشتداد الموجات الحارة.
لكن التجربة المصرية تكشف أن الحكومة غالبًا تكتفي بإرشادات عامة حول تجنب الشمس وشرب المياه، بينما تحتاج موجات حر طويلة إلى إجراءات تنفيذية قابلة للقياس، مثل أماكن ظل عامة، وتعديل ساعات العمل المكشوف، وتفعيل غرف متابعة صحية في المحافظات.
كما أن التحذير الأممي الذي نقله أنطونيو جوتيريش يضع الظاهرة في سياق أكبر، إذ دعا العالم إلى التعامل مع النينيو باعتبارها إنذارًا مناخيًا عاجلًا، لأن تأثيراتها ستكون أشد وأوسع وقد تعبر الحدود بسرعة مدمرة.
وبناء على ذلك، لا يكفي أن تتعامل مصر مع النينيو كخبر طقس موسمي، لأن الظاهرة تضغط على الصحة والزراعة والكهرباء والمياه في وقت واحد، وأي تأخر في الاستعداد يعني أن المواطن سيدفع الفاتورة عبر المرض وتراجع الإنتاج وزيادة كلفة المعيشة.
وفي النهاية، يفتح النينيو باب سؤال مباشر أمام الحكومة المصرية: هل تمتلك خطة صيف واضحة لحماية الناس وإدارة المياه، أم ستترك المواطنين يواجهون الحرارة والرطوبة وشح الموارد بنشرات تحذيرية متكررة لا تغير شيئًا على الأرض.

