أكد وزير العمل حسن رداد، في مدينة جنيف السويسرية، خلال كلمة مصر أمام الدورة 114 لمؤتمر العمل الدولي، أن العالم يواجه تحديات جيوسياسية واقتصادية واجتماعية تتطلب تعاونا دوليا واستثمارا في الإنسان والمهارات.
ويأتي هذا الخطاب بينما يعيش سوق العمل المصري تحت ضغط تآكل الأجور وضعف الحماية النقابية واتساع العمالة الهشة، ما يجعل حديث حكومة السيسي عن المستقبل بعيدا عن شروط العمل اليومية داخل المصانع والشركات.
جنيف تسمع خطابا حكوميا والعمال يدفعون كلفة الداخل
وقال رداد إن الاستثمار في الإنسان والمهارات يمثل الطريق الأكثر استدامة نحو المستقبل، لكنه قدم هذا المعنى أمام مؤتمر دولي لا أمام عمال يواجهون الأسعار والأجور الضعيفة وغياب التفاوض الجماعي.
وبحسب وزارة العمل، جاءت كلمة مصر أمام مؤتمر العمل الدولي المنعقد في قصر الأمم المتحدة بجنيف، بمشاركة ممثلي الحكومات وأصحاب الأعمال والعمال من مختلف دول العالم خلال يونيو الجاري.
كما حضر الكلمة السفير علاء حجازي، مندوب مصر الدائم لدى الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، إلى جانب وفد وزارة العمل وممثلي منظمات أصحاب الأعمال والعمال ضمن الوفد الثلاثي المصري.
وفي المقابل، يضع حضور الوفد الثلاثي سؤال التمثيل الحقيقي في الواجهة، لأن الحكومة تعرض نفسها شريكا في الحوار الاجتماعي، بينما يشتكي عمال ونقابيون من قيود إدارية وأمنية على التنظيم المستقل.
ويرى مصطفى بسيوني، الكاتب المتخصص في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية، أن النقابات المستقلة ترتبط تاريخيا باتساع الحركة العمالية وهوامش الديمقراطية، ولذلك يضعف تمثيل العمال عندما تضيق الدولة هذا المجال.
لذلك تبدو كلمة جنيف جزءا من خطاب رسمي يريد اعترافا دوليا بصورة منضبطة، بينما تتراجع في الداخل قدرة العمال على التفاوض، وتصبح الوزارة طرفا منظما للمشهد أكثر من كونها حاميا مستقلا للحقوق.
أجور تفقد قيمتها وحديث رسمي عن المهارات
وعندما يشدد الوزير على الاستثمار في الإنسان، لا يستطيع الخطاب تجاوز حقيقة أن الأجر الحقيقي تآكل بفعل التضخم وتحرير الأسعار، بينما أصبحت الزيادة الدورية أقل من تكلفة الغذاء والمواصلات والسكن.
ثم يتحول الحديث عن المهارات إلى صياغة ناقصة، لأن العامل لا يستطيع تطوير نفسه في سوق يضعه أمام ساعات طويلة وأجر ضعيف وعلاقة عمل غير مستقرة وخوف دائم من الفصل.
وتؤكد سلمى حسين، الباحثة الاقتصادية في ملف العدالة الاجتماعية، أن سياسة الحد الأدنى للأجور لا تحقق العمل اللائق وحدها، لأن غياب التطبيق والرقابة يترك قطاعات واسعة من العمال تحت خط الفقر.
كما تشير دراسات منشورة عن الأجور إلى أن المشكلة لا تقف عند قيمة الحد الأدنى، بل تمتد إلى العمالة غير الرسمية واليومية، وهي فئات لا تحصل غالبا على حماية قانونية أو تأمينات.
وعلى هذا الأساس، يصبح الاستثمار في المهارات بلا معنى اجتماعي واضح إذا لم يرتبط بأجر عادل، لأن التدريب لا يعوض العامل عن فقدان دخله الحقيقي ولا يحمي أسرته من الغلاء.
وبينما تتحدث الحكومة عن أسواق العمل المتغيرة، لا تقدم سياساتها ضمانة كافية للعامل داخل القطاع الخاص، حيث تصبح علاقة العمل أكثر هشاشة في ظل ضعف العقود والرقابة والتفتيش.
وهنا تظهر الفجوة بين خطاب مصر في مؤتمر العمل الدولي وبين الواقع المحلي، لأن منظمة العمل الدولية تناقش العمل اللائق والحوار الاجتماعي، بينما يحتاج العامل المصري قبل ذلك إلى أجر يكفيه ويمثل كرامته.
حوار اجتماعي بلا نقابات مستقلة
ومع تأكيد الوزير أهمية تطوير آليات العمل المشترك، تظل آليات الحوار داخل مصر محكومة بسيطرة الدولة على المجال النقابي، وبضعف قدرة العمال على إنشاء تنظيمات مستقلة تدافع عن مصالحهم.
وقد صنف مؤشر الحقوق العالمي الصادر عن الاتحاد الدولي للنقابات مصر ضمن أسوأ 10 دول في أوضاع العمال خلال 2026، وأشار إلى استمرار عرقلة تسجيل نقابات مستقلة.
وفي هذا السياق، يكتسب خطاب جنيف دلالة معاكسة، لأن الحكومة تتحدث باسم العمال في الخارج، بينما تؤكد تقارير حقوقية ونقابية أن العمال في الداخل يفتقدون الوسائل الآمنة لطرح المظالم.
ويشرح عمرو عادلي، الباحث في الاقتصاد السياسي، أن حقوق العمال لا تتحقق داخل سوق عمل يفتقد التوازن بين أصحاب العمل والعمال، لأن غياب التنظيم المستقل يضعف التفاوض ويخفض كلفة الانتهاك.
لذلك لا يكفي أن يحضر ممثلو العمال ضمن الوفد الرسمي، لأن معيار التمثيل لا يقاس بالمقاعد داخل المؤتمرات، بل بقدرة العمال على انتخاب ممثليهم ومحاسبتهم والتفاوض عبرهم بحرية.
كما أن الحكومة تستخدم مفردات التعاون الدولي لتقديم صورة مرنة، لكنها لا تفتح المجال المحلي لرقابة مستقلة على قانون العمل، ولا تسمح بحوار حقيقي حول الأجور والفصل والتأمينات.
ومن ثم يتحول مؤتمر العمل الدولي إلى منصة تكشف التناقض لا تغطيه، لأن حكومة السيسي تطلب اعترافا دوليا بإصلاحاتها، بينما تستمر شكاوى العمال من ضعف الضمانات وغياب التمثيل المستقل.
وتبقى النتيجة المباشرة أن خطاب الوزير لا يجيب عن السؤال الأهم، وهو كيف يمكن بناء سوق عمل مستدام في بلد لا يضمن أجرا كافيا ولا نقابات مستقلة ولا تفتيشا قويا.
وفي الخلاصة، لا يحتاج العامل المصري إلى بيان خارجي عن المهارات بقدر ما يحتاج إلى عقد عادل وأجر يكفي أسرته ونقابة تمثله، وهي شروط لا تمنحها حكومة السيسي بخطاب في جنيف.

