أوقفت وزارة التموين في مصر عددا من بطاقات التموين بعد تطبيق 4 معايير جديدة لاستحقاق الدعم مطلع يونيو، وقررت فتح باب التظلمات أمام المستبعدين من الدعم التمويني بدءا من 14 يونيو الجاري.
ويأتي القرار وسط أزمة معيشية تضغط على الأسر محدودة الدخل، بينما توسع حكومة السيسي أدوات الحذف الإداري من بطاقات التموين بدلا من مراجعة سياسات الغلاء وتراجع الأجور وضعف الحماية الاجتماعية.
معايير جديدة تضيق باب الدعم التمويني
وقالت وزارة التموين، عبر مساعد الوزير للتحول الرقمي محمد شتا، إن المعايير الجديدة تشمل الأسر التي تلحق أبناءها بمدارس دولية، ومالكي السيارات الفارهة، وأصحاب الشركات الكبيرة، وقاطني الكمبوندات السكنية الشهيرة.
وبحسب شتا، يعتمد معيار المدارس الدولية على طبيعة المدرسة نفسها، ولا يرتبط بقيمة محددة للمصروفات الدراسية، وهو ما يترك مساحة واسعة للتقدير الإداري داخل منظومة حذف بطاقات التموين.
كما أكد شتا أن معيار السيارات الفارهة يخضع لضوابط وتعريفات تحددها وزارة المالية، بينما يطال معيار الشركات أصحاب رؤوس الأموال الكبيرة والسجلات التجارية المؤثرة، وفق توصيف رسمي لم يعلن تفاصيله كاملة.
وفي السياق نفسه، شمل معيار السكن قاطني الكمبوندات الشهيرة، بما يضع محل الإقامة داخل دائرة الاستبعاد، رغم أن السكن وحده لا يكشف دائما دخل الأسرة أو التزاماتها المعيشية الشهرية.
ومع اتساع هذه المعايير، نفت وزارة التموين وجود معيار جديد يتعلق بالحيازة الزراعية، لكنها أبقت معايير قديمة سابقة مرتبطة بالحيازات ضمن سجل طويل من أدوات حذف غير مستحقي الدعم.
وترى الباحثة سلمى حسين، في كتاباتها عن الدعم والموازنة، أن خفض دعم السلع لا يتحول تلقائيا إلى حماية للفقراء، لأن الحكومة تستطيع تقليل فاتورة الدعم من دون زيادة مقابلة في شبكات الأمان.
لذلك يفتح القرار سؤالا مباشرا حول عدالة الاستهداف، لأن حكومة السيسي تقدم الحذف باعتباره تنقية للمنظومة، بينما يعيش ملايين المواطنين تحت ضغط أسعار الغذاء والمواصلات والكهرباء والخدمات الأساسية.
تظلمات تبدأ في 14 يونيو ومسار إداري يضع المواطن في موضع المتهم
وأعلنت وزارة التموين أن المواطنين يستطيعون معرفة سبب إيقاف بطاقاتهم التموينية عبر مديريات التموين المختصة، وهو إجراء ينقل العبء إلى المواطن كي يبحث بنفسه عن سبب حرمانه من الدعم.
ثم تفتح الوزارة باب التظلمات من 14 يونيو عبر المديريات في المحافظات، بشرط تقديم مستندات تثبت عدم انطباق معيار الاستبعاد، بما يجعل الأسرة مطالبة بإثبات أحقيتها بعد قرار الحذف.
وبهذا المسار، يصبح المواطن المستبعد مسؤولا عن جمع الأوراق والذهاب إلى المديرية ومواجهة بيانات حكومية مغلقة، بينما لا تعلن الوزارة آلية مراجعة مستقلة أو مدة واضحة لحسم كل تظلم.
وتقول رشا رمضان، في دراسات أكاديمية عن إصلاح دعم الغذاء، إن تقليص الدعم أو استبداله بتحويلات نقدية يرفع إنفاق الأسر على السوق الحر، خصوصا لدى الشرائح الأدنى دخلا.
وعلى هذا الأساس، لا يظهر حذف البطاقات كإجراء فني معزول، بل كجزء من إعادة توزيع العبء على الأسر، لأن بطاقة التموين تمثل سندا شهريا صغيرا لكنه حاسم في ميزانية الفقراء.
كما أن ربط التظلمات بالمديريات يضع المواطنين أمام بيروقراطية محلية مزدحمة، وقد يحول الحق في الدعم إلى معركة أوراق، خصوصا لدى الأسر التي لا تمتلك قدرة رقمية أو قانونية كافية.
ومع غياب إعلان تفصيلي لكل ضوابط الاستبعاد، تزداد احتمالات الخطأ الإداري، لأن بيانات المدارس والسيارات والسكن والشركات قد لا تعكس تغيرات الدخل أو الديون أو عدد المعالين داخل الأسرة.
من 2016 إلى 2024 توسع متواصل في حذف الدعم
وبدأت وزارة التموين في 2016 وضع محددات لحذف من تصفهم بغير مستحقي الدعم، ثم وسعت هذه المحددات تدريجيا حتى وصلت إلى 14 معيارا في 2024 قبل إضافة 4 معايير جديدة.
ومنذ ذلك الوقت، طالت عمليات التنقية ملايين البطاقات التموينية، وأثارت غضب المستبعدين، لأن كثيرين اعتبروا أن الحكومة تستخدم قواعد رقمية جامدة لتقليص الإنفاق لا لحماية الفئات الأكثر احتياجا.
وفي 2019، أعلنت الوزارة إعادة 1.8 مليون فرد إلى بطاقات التموين لصرف السلع التموينية، تنفيذا لتكليفات رئاسية، مع إتاحة تلقي تظلمات المواطنين الذين يرون أحقيتهم في الدعم.
ويكشف هذا التراجع السابق أن منظومة الحذف ليست محصنة من الخطأ، لأن إعادة هذا العدد الكبير تعني أن قرارات الاستبعاد قد تصيب مستحقين فعليين وتتركهم فترة بلا حماية غذائية.
وشملت المعايير السابقة ارتفاع الأجور والمعاشات الحكومية، وارتفاع استهلاك الكهرباء وفواتير الهاتف المحمول، وامتلاك حيازات زراعية، وسداد مصروفات مدرسية مرتفعة، ودفع رسوم جمركية أو ضريبية بمبالغ كبيرة.
ويرى عمرو عادلي، الباحث في الاقتصاد السياسي، أن خفض دعم الغذاء والطاقة في مصر جرى بوتيرة واسعة ضمن إعادة تشكيل للعلاقة بين الدولة والمواطنين تحت حكم السيسي.
لذلك لا ينفصل قرار حذف بطاقات التموين عن مسار أوسع، لأن الحكومة ترفع تكلفة الخدمات وتقلص الدعم وتوسع الجباية، ثم تطلب من المواطنين تقبل ذلك باسم ترشيد الإنفاق العام.
وفي المحصلة، تكشف معايير وزارة التموين الجديدة اتجاها حكوميا يضيق دائرة المستفيدين من الدعم التمويني، بينما تظل أزمة الدخل والأسعار قائمة، وتبقى التظلمات علاجا إداريا محدودا لقرار سياسي أوسع.
وتضع هذه السياسة حكومة السيسي أمام مسؤولية مباشرة، لأن استبعاد الأسر من بطاقات التموين في بلد يعاني الغلاء لا يعني فقط تعديل قاعدة بيانات، بل يعني خفضا فعليا في غذاء بيوت كثيرة.

