وجّه أبو عبيدة، الناطق العسكري باسم كتائب القسام، مساء الثلاثاء 2 يونيو 2026، انتقادات حادة إلى الوسطاء والضامنين في اتفاق وقف إطلاق النار بغزة، متسائلا عن دورهم مع استمرار جرائم الاحتلال، وداعيا إياهم إلى عدم المساواة بين الضحية والجلاد وإجبار إسرائيل على تنفيذ بنود الاتفاق.
وجاء الخطاب بعد اغتيال قيادات عسكرية في القسام، وتصاعد الاتهامات لحماس بتعطيل إدارة غزة، بينما أكدت الحركة عبر ناطقها حازم قاسم جاهزيتها لتسليم مجالات الحكم كافة، بما فيها الأمن، إلى اللجنة الوطنية الموجودة في القاهرة، محملة الاحتلال ونيكولاي ملادينوف ومجلس السلام مسؤولية تعطيل المسار.
أبو عبيدة يضع الوسطاء أمام لحظة الحقيقة
في البداية، قال أبو عبيدة إن الاحتلال الإسرائيلي أساء قراءة المشهد وأخطأ التقدير مجددا، بعدما فهم المرونة ضعفا والتريث تراجعا، في إشارة إلى ما وصفه بخروقات متكررة لاتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وإلى استمرار الاغتيالات والقتل رغم وجود تفاهمات وضامنين.
ثم وصف الناطق العسكري باسم القسام الاتفاقات والتفاهمات بأنها كاذبة وخادعة عندما لا تلجم الاحتلال، مؤكدا أن «فاتورة الحساب ستبقى مفتوحة حتى يدفعها ثقيلة كاملة»، في رسالة حملت تهديدا مباشرا لإسرائيل ورفضا لمنطق تحويل وقف النار إلى غطاء لعمليات الاغتيال.
كما خاطب أبو عبيدة الوسطاء بوصفهم من أبناء الأمة، وطالبهم بألا يساووا بين الضحية والجلاد، داعيا إياهم إلى موقف تاريخي مع غزة وإجبار الاحتلال على تنفيذ بنود الاتفاق، وهو خطاب يحمّل مصر وقطر والولايات المتحدة مسؤولية سياسية وأخلاقية عن صمتهم أو عجزهم.
وفي المقابل، لم يكتف أبو عبيدة بانتقاد الاحتلال، بل وضع الضامنين في دائرة المساءلة، مؤكدا أنه لم يعد مقبولا الصمت أو الوقوف على الحياد، لأن جرائم الاغتيال وما يشهده قطاع غزة من قتل وتدمير تجعل الوسطاء أمام اختبار حقيقي لا أمام دور شكلي.
كذلك دعا الناطق باسم القسام الأمة إلى تحييد الخلافات وتصحيح البوصلة تجاه الاحتلال الإسرائيلي، معتبرا أن استمرار العدوان يفترض موقفا عربيا وإسلاميا لا يكتفي بإدارة التهدئة أو تبادل الرسائل، بل يضغط على إسرائيل لوقف استباحة غزة.
ومن هنا، بدا خطاب أبو عبيدة موجها في اتجاهين متوازيين، الأول إلى إسرائيل التي اتهمها بسوء التقدير، والثاني إلى الوسطاء الذين اتهمهم ضمنيا بترك الاحتلال يتحرك خارج قيود الاتفاق، بينما يدفع المدنيون في غزة ثمن غياب الردع والضمان.
الاغتيالات تعيد القسام إلى خطاب الثأر والوفاء
على مستوى آخر، جاء الخطاب بعد اغتيال قيادات بارزة في كتائب القسام، بينهم عز الدين الحداد ومحمد عودة، حيث تحدث أبو عبيدة عن دورهما في معركة «طوفان الأقصى» وما قبلها، مؤكدا أن دماء القادة لن تكسر المقاومة بل ستزيدها تمسكا بالطريق.
وبحسب تقارير إخبارية، أعلن الجيش الإسرائيلي والشاباك في 26 مايو 2026 اغتيال محمد عودة، الذي وصفته إسرائيل بأنه القائد الجديد لكتائب القسام، بعد غارة استهدفت مباني في شمال قطاع غزة، وذلك بعد أيام من حديث إسرائيلي عن اغتيال عز الدين الحداد.
ثم شدد أبو عبيدة على أن الاحتلال إذا كان يتوهم إضعاف القسام باغتيال قادتها، فإن دماءهم تمثل الوقود الذي يحرك سفينة المقاومة، في صياغة تؤكد أن القسام تريد تحويل الاغتيالات من ضربة تنظيمية إلى رافعة تعبئة داخلية وشعبية.
كما أشار إلى بقاء قادة نشأوا في ميادين الرباط والإعداد وحنكتهم التجارب وصقلتهم الحروب، وهي رسالة موجهة إلى الداخل الفلسطيني وإلى إسرائيل معا، تقول إن اغتيال الأسماء البارزة لا يعني انهيار البنية القيادية أو توقف العمل العسكري.
وفي هذا السياق، خاطب أبو عبيدة أهل غزة ونساءها وشيوخها وشبابها وأطفالها وعائلات الشهداء، مؤكدا أن القسام تابعت كلماتهم وزحوفهم في وداع الشهداء، وأنها لن تخون التضحيات وستواصل درب قادتها، في محاولة لربط الخطاب العسكري بالحاضنة الشعبية.
وبذلك أعاد الناطق العسكري للقسام تثبيت معادلة الوفاء للدماء في مواجهة سياسة الاغتيالات، لكنه ربطها أيضا بفشل الوسطاء في حماية الاتفاق، ليصبح استهداف القادة دليلا لديه على أن الاحتلال يتعامل مع التهدئة كفرصة عملياتية لا كالتزام سياسي.
حماس تنفي تعطيل الحكم وتتهم مجلس السلام
في المسار السياسي، نفى الناطق باسم حركة حماس حازم قاسم ما تردده بعض الأطراف في مجلس السلام عن أن الحركة لا تريد تسليم الحكم في قطاع غزة، واعتبر هذه التصريحات أكاذيب مضللة تهدف إلى توفير غطاء للاحتلال كي يستمر في عدوانه على القطاع.
ثم أكد قاسم أن حماس جاهزة بشكل قاطع لتسليم كل مجالات الحكم في غزة، بما فيها الملف الأمني، إلى اللجنة الوطنية التي جرى التوافق على تشكيلها، والموجودة في القاهرة، وهو تأكيد يستهدف نزع ذريعة بقاء الحركة في الحكم عن أي تصعيد إسرائيلي أو تعطيل سياسي.
وبحسب قاسم، فإن المعيق الأساسي لعمل اللجنة هو الاحتلال الإسرائيلي والمدير التنفيذي لمجلس السلام نيكولاي ملادينوف، الذي اتهمه بتعقيد المسائل عبر ربط كل المسارات بقضية واحدة في الاتفاق، خلافا للرؤية التي وضعها الرئيس الأميركي دونالد ترامب لقطاع غزة.
كما قال قاسم إن مجلس السلام عاجز عن الضغط على الاحتلال وإلزامه بإدخال اللجنة إلى القطاع أو توفير مقدرات لها كي تعمل، وهو اتهام ينسجم مع خطاب أبو عبيدة في تحميل الضامنين مسؤولية الفشل في تحويل الاتفاق إلى واقع على الأرض.
وفي النهاية، تكشف تصريحات أبو عبيدة وحازم قاسم عن تقاطع عسكري وسياسي في خطاب حماس، فالقسام تضغط على الوسطاء من بوابة الدم والاغتيالات، والحركة تضغط عليهم من بوابة إدارة غزة، بينما يبقى الاحتلال في نظر الطرفين هو المستفيد من عجز الضمانات وتعثر اللجنة.
وبهذا المعنى، لم يكن خطاب أبو عبيدة مجرد تهديد لإسرائيل، بل كان إعلانا بأن مرحلة الصمت على الوسطاء انتهت، وأن غزة تريد من الضامنين فعلا لا بيانات، وضغطا لا إدارة أزمة، وتنفيذا للاتفاق لا مساواة بين شعب محاصر وقوة احتلال تواصل القتل.

