أعلن علماء أحياء بحرية اكتشاف نوع جديد من الأخطبوط في أعماق جزر غالاباغوس بالمحيط الهادئ، بعد أكثر من عقد على رصده لأول مرة بواسطة روبوت موجه عن بعد على عمق يقارب 1773 مترًا تحت سطح الماء، في اكتشاف يعيد تسليط الضوء على التنوع الحيوي المجهول في أعماق البحار.
وجاء الإعلان بعد دراسة نشرتها مجلة "زوتاكسا" العلمية أواخر مايو، حيث صنف الباحثون الكائن الجديد تحت الاسم العلمي "Microeledone galapagensis"، مؤكدين أن خصائصه التشريحية ولونه الأزرق وعينيه الكبيرتين تميزه عن الأنواع المعروفة، فيما يفتح الاكتشاف بابًا جديدًا لفهم تطور كائنات أعماق البحار والروابط البيولوجية بين مناطق متباعدة من العالم.
اكتشاف متأخر لكائن صغير من أعماق البحر
بدأت قصة الاكتشاف عام 2015 عندما رصد فريق علمي يعمل على متن سفينة "E/V Nautilus" أخطبوطًا صغيرًا يتحرك فوق قاع البحر قرب جزر غالاباغوس، خلال مهمة بحثية نُفذت بالتعاون مع مؤسسة تشارلز داروين وإدارة منتزه غالاباغوس الوطني.
ووصف أعضاء الفريق الكائن بأنه يشبه لعبة محشوة بسبب حجمه الصغير وشكله غير المألوف، بينما أثار مظهره فضول العلماء الذين أدركوا أنهم قد يكونون أمام نوع غير معروف من رأسيات الأرجل.
لكن التعقيدات اللوجستية والإدارية أخرت دراسة العينة لسنوات، إذ لم تصل إلى متحف فيلد بمدينة شيكاغو إلا عام 2022، ما أبطأ عملية الفحص العلمي والتصنيف الرسمي للكائن المكتشف.
وقادت الباحثة جانيت فوويت، أمينة شرف قسم اللافقاريات بالمتحف، جهود تحليل العينة، لكنها واجهت معضلة علمية معقدة بسبب هشاشة جسم الأخطبوط بعد حفظه في مادة الفورمالديهايد، ما جعل أي خطأ في التشريح يهدد بفقدان معلومات لا يمكن تعويضها بسهولة.
التكنولوجيا تكشف أسرار التشريح والتطور
اختارت الباحثة وفريقها استخدام تقنية التصوير المقطعي المحوسب بدلًا من التشريح التقليدي، مستفيدين من جهاز حديث اقتناه المتحف لإنتاج نموذج ثلاثي الأبعاد للكائن مع الحفاظ على العينة سليمة.
وسمح دمج آلاف الصور المأخوذة بالأشعة السينية بإعادة بناء التركيب الداخلي للأخطبوط بدقة عالية، وهو ما منح العلماء فرصة لتحديد موقعه ضمن شجرة التطور الوراثي دون إتلاف الكائن النادر.
وأظهرت النتائج أن الأخطبوط الجديد ينتمي إلى جنس "Microeledone"، وهو جنس نادر للغاية كان يضم نوعًا واحدًا فقط جرى اكتشافه سابقًا قرب كاليدونيا الجديدة في جنوب غرب المحيط الهادئ.
ورغم التشابه بين النوعين في خصائص الجلد والأذرع وبنية الخياشيم، رصد الباحثون اختلافات دقيقة في توزيع الألوان داخل الوشاح وتركيب بعض الأنسجة الداخلية، ما أكد أن الكائن المكتشف يمثل نوعًا مستقلًا جديدًا.
كما أثار التشابه بين نوع أخطبوط يعيش قرب غالاباغوس وآخر يوجد على مسافة شاسعة قرب أستراليا تساؤلات علمية حول المسارات التطورية القديمة للكائنات البحرية في أعماق المحيطات.
جزر غالاباغوس وأعماق البحار.. عالم لا يزال مجهولًا
ويؤكد العلماء أن أهمية هذا الاكتشاف تتجاوز حدود العثور على نوع جديد من الأخطبوط، لأنه يعكس حجم الفراغ المعرفي الهائل المرتبط ببيئات أعماق البحار، ووفق تقديرات الإدارة الوطنية الأمريكية للمحيطات والغلاف الجوي، لم يتمكن البشر حتى الآن من استكشاف سوى نسبة ضئيلة للغاية من قاع المحيطات لا تتجاوز 0.001 بالمئة، ما يعني أن عددًا كبيرًا من الأنواع لا يزال مجهولًا للعلم.
ويرى الباحث جيم باري من معهد أبحاث أكواريوم خليج مونتيري أن الأخطبوطات تمثل واحدة من أكثر مجموعات الحيوانات إثارة للاهتمام بسبب تعقيد جهازها العصبي وسلوكها الفريد مقارنة بمعظم اللافقاريات الأخرى.
كما يوضح أن أعماق البحار تحتوي على نظم بيئية معقدة تشمل سهولًا واسعة ووديانًا عميقة وسلاسل جبلية تحت الماء، وهو ما يوفر ظروفًا مناسبة لتطور كائنات شديدة التخصص والتنوع.
وتحظى جزر غالاباغوس بمكانة خاصة في هذا السياق، إذ تضم أكثر من 1000 نوع من النباتات والحيوانات التي لا توجد في أماكن أخرى، بينما تتمتع نسبة كبيرة من الحياة البحرية فيها بخصوصية جغرافية عالية.
لكن الباحثين يحذرون من أن التغير المناخي لا يقتصر تأثيره على اليابسة أو المياه السطحية، بل يمتد أيضًا إلى أعماق البحار، حيث تتعرض أنظمة بيئية كاملة لتحولات متسارعة قبل أن يفهم العلماء طبيعتها أو يوثقوا مكوناتها الحيوية.
ويعتبر العلماء أن اكتشاف "Microeledone galapagensis" لا يمثل نهاية قصة علمية، بل بداية مرحلة جديدة لفهم كيفية تطور الكائنات في البيئات المعزولة والعميقة، ومعرفة الروابط الخفية التي تجمع الأنواع البحرية عبر آلاف الكيلومترات من المحيطات.
وفي الختام يؤكد اكتشاف الأخطبوط الجديد في جزر غالاباغوس أن أعماق البحار ما تزال تحتفظ بقدر هائل من الأسرار العلمية، وأن كل رحلة استكشاف قد تكشف نوعًا جديدًا يعيد صياغة فهم البشر لتاريخ الحياة على الأرض وتطورها في البيئات الأكثر عزلة وغموضًا على الكوكب.

