كشفت مديرية أمن بني سويف، عبر إخطار تلقاه اللواء أسامة جمعة من غرفة عمليات شرطة النجدة، عن وفاة الطفلتين زينب محمود 3 سنوات وشقيقتها إنجي محمود 8 سنوات، وإصابة والدهما محمود تهامي 30 سنة ووالدتهما شيماء محمد 27 سنة، بعد حريق هائل داخل منزل الأسرة بقرية الكوم الأحمر.

 

وتضع الواقعة الحكومة أمام مسؤولية مباشرة في ملف الوقاية المنزلية، لأن الموت داخل البيوت لم يعد حادثا منفصلا عن غياب التفتيش المحلي والتوعية الملزمة وخطط الحماية المدنية في القرى، خصوصا أن أطفالا ونساء وعمالا دفعوا الثمن نفسه منذ يناير في أكثر من محافظة.

 

بيت الكوم الأحمر من بلاغ النجدة إلى مشرحة المستشفى

 

بعد البلاغ، انتقلت سيارات الإسعاف إلى موقع الحريق في قرية الكوم الأحمر التابعة لمركز بني سويف، ونقل المسعفون المصابين والجثتين إلى المستشفى، بينما بدأت الأجهزة الأمنية الإجراءات القانونية اللازمة، في مشهد يكشف أن التدخل الرسمي يبدأ غالبا بعد وقوع الخسائر لا قبلها.

 

ثم أشرف اللواء محمد الخولي، مدير إدارة البحث الجنائي بمديرية أمن بني سويف، على التحريات الأولية التي أثبتت وفاة زينب وإنجي متأثرتين بحروق خطيرة أثناء اشتعال النيران داخل المنزل، وجرى نقلهما إلى مستشفى جامعة بني سويف لإنهاء الإجراءات وتصاريح الدفن.

 

في الوقت نفسه، استقبلت طوارئ المستشفى الأب محمود تهامي في حالة إغماء، واستقبلت الأم شيماء محمد وهي تعاني من ضيق تنفس متأثرة بالدخان والحريق، وبدأ الفريق الطبي إجراء الإسعافات الأولية والفحوصات الطبية لتحديد حجم الإصابات التي لحقت بهما خلال الحادث.

 

وتكشف تفاصيل الحريق أن الأسرة لم تكن أمام خطر عابر، بل أمام سلسلة فشل تبدأ من هشاشة المساكن وشبكات الكهرباء غير المفحوصة، وتنتهي بغياب برامج حكومية تصل إلى القرى قبل الكارثة، لذلك تتحول غرفة عادية في بيت فقير إلى نقطة موت مفتوحة للأطفال.

 

حوادث متكررة منذ يناير تكشف نمطا لا مصادفة

 

ومنذ يناير 2026، شهدت المنصورة في محافظة الدقهلية وفاة 3 أطفال أشقاء داخل منزل مكون من 4 طوابق بشارع الثانوية، بعد حريق قالت المعاينة الأولية إن سببه ماس كهربائي، لتتكرر صورة الأطفال المحاصرين داخل بيت لا يملك أدوات إنذار أو خطة نجاة.

 

وبعد أيام، عادت بني سويف إلى واجهة حوادث الحرائق عندما لقيت أم وطفلتاها مصرعهن اختناقا داخل منزل بقرية نزلة البرقي التابعة لمركز الفشن، وأظهرت التحريات الأولية أن الحريق اندلع داخل غرفة المعيشة نتيجة ماس كهربائي أدى إلى تصاعد كثيف للأدخنة.

 

وفي أبريل، لقي طفل يبلغ 5 أعوام مصرعه داخل عشة في أرض زراعية بقرية أم صابر التابعة لمركز بدر في البحيرة، بعدما احتجزته النيران داخل المكان، وهو حادث يضيف بعدا ريفيا واضحا للأزمة حيث تنعدم وسائل الحماية في الأبنية الهشة والعشوائية.

 

كذلك شهدت القاهرة في أبريل حريق مصنع أحذية وملابس جلدية في الزاوية الحمراء، وأسفر الحريق عن وفاة 7 فتيات خلال العمل، بينما قالت المعاينة إن ماسا كهربائيا داخل علبة الكهرباء بالطابق الأرضي تسبب في اندلاع النيران، وسط تحقيقات مع مسؤولي المصنع.

 

وتشير هذه الوقائع المتتالية إلى خيط واحد لا يحتاج إلى تهوين رسمي، وهو أن الماس الكهربائي وضيق المخارج وانعدام الإنذار المبكر تتكرر في البيوت والمصانع والعشش، بينما تظل الحكومة في موقع رد الفعل، فتعلن السيطرة أو التحقيق بعد خروج الجثامين.

 

خبراء الحماية المدنية يضعون الاتهام عند جذره

 

وفي محور الوقاية المنزلية، يربط اللواء ممدوح عبد القادر، مدير الحماية المدنية الأسبق، بين الحرائق المنزلية وسوء استخدام الأجهزة الكهربائية والتحميل الزائد وفشل التعامل الأول مع النار، وهو ما يجعل غياب حملات التوعية الرسمية داخل القرى والأحياء الفقيرة تقصيرا لا تفصيلا ثانويا.

 

أما اللواء هشام صادق، مدير الإدارة العامة للحماية المدنية بالجيزة السابق، فيلفت إلى أثر تقلبات الطقس على أنظمة الحريق والكابلات والتمديدات داخل المباني، وهذا الرأي يوسع المسؤولية الحكومية لأن تغير المناخ لا يعفي السلطات من صيانة البنية القديمة ورفع جاهزية التفتيش.

 

وبالنسبة إلى مواقع العمل، يؤكد العميد المحمدي الباشا، مدير عمليات الحماية المدنية السابق، ضرورة عزل المواد القابلة للاشتعال وتوفير مخارج وسلالم ومياه وتدريب العاملين ووسائل تنبيه، وهو كلام يجعل مأساة الزاوية الحمراء دليلا على كلفة التراخيص الشكلية والرقابة المتأخرة.

 

لذلك لا يكفي أن تعلن الأجهزة الأمنية انتقال سيارات الإسعاف أو بدء التحقيقات، لأن الوقائع المتراكمة تطلب سياسة معلنة لفحص الكهرباء داخل المساكن شديدة الخطورة، وإلزام الورش والمصانع الصغيرة بمعدات إنذار، ومحاسبة المحليات التي تترك المخاطر تتكاثر حتى تتحول إلى جنازات.

 

وفي النهاية، لا تقف مأساة الكوم الأحمر عند وفاة زينب وإنجي وإصابة والديهما، بل تكشف ملفا حكوميا مؤجلا من البيوت إلى المصانع، حيث يدفع المواطنون ثمن غياب الوقاية قبل وصول سيارات الإطفاء، وتتحول بيانات العزاء والتحقيق إلى بديل رخيص عن السلامة العامة.

 

ومن ثم، يصبح السؤال السياسي والإنساني واحدا، من يحاسب الأجهزة المحلية والوزارات المختصة عندما يتكرر الموت بالطريقة نفسها منذ يناير، ومن يضمن أن بيتا آخر في قرية أخرى لن يستيقظ على دخان وحريق وجثامين أطفال، بينما تظل الدولة تنتظر البلاغ التالي.