نشرت مجلة بريطانية تقريرًا مطولًا تناول طبيعة العلاقة المتوترة بين مصر والإمارات، معتبرة أن القاهرة باتت تنظر بقلق متزايد إلى تنامي النفوذ الإماراتي في المنطقة، في وقت تواجه فيه مصر أزمات اقتصادية وسياسية متراكمة أثّرت على مكانتها التقليدية في العالم العربي.
وأشار التقرير إلى الزيارة الأخيرة التي أجراها عبد الفتاح السيسي إلى أبو ظبي يوم السابع من مايو، موضحًا أن طريقة الاستقبال حملت رسائل سياسية غير مباشرة.
فبدلًا من مراسم الاستقبال الرسمية المعتادة داخل القصور الرئاسية، اصطحب الرئيس الإماراتي محمد بن زايد، السيسي إلى جلسة شاي داخل أحد مراكز التسوق، وهو ما اعتبرته المجلة مؤشرًا على تغيّر موازين النفوذ بين البلدين.
ورأت المجلة أن السيسي ربما كان يتوقع استقبالًا أكثر دفئًا، خصوصًا بعد إرسال القاهرة مقاتلات عسكرية لحماية الإمارات خلال التصعيد الإقليمي الأخير، إلا أن المشهد بدا للكثير من المصريين انعكاسًا لتراجع الدور المصري مقابل صعود الإمارات كقوة إقليمية مؤثرة.
المصريون يشعرون بأن بلادهم محاصرة
أكد التقرير أن المصريين لا يزالون ينظرون إلى بلدهم باعتبارها “أم الدنيا”، الدولة الأكبر عربيًا وصاحبة النفوذ التاريخي، لكن الواقع الحالي – بحسب المجلة – يكشف تراجع هذا الدور لصالح الإمارات التي نجحت خلال سنوات قليلة في توسيع نفوذها السياسي والاقتصادي والعسكري في عدة مناطق عربية وأفريقية.
وأضاف التقرير أن قطاعات واسعة داخل مصر تشعر بعدم الارتياح تجاه ما تعتبره “تطويقًا إماراتيًا” للمصالح المصرية عبر دعم قوى محلية وميليشيات وحركات انفصالية في عدد من الدول المجاورة.
كما أشار إلى أن الأزمة الاقتصادية الخانقة دفعت القاهرة إلى بيع أصول استراتيجية ومساحات واسعة من الأراضي لصالح مستثمرين خليجيين، الأمر الذي خلق حالة من الغضب والمرارة لدى كثير من المصريين الذين يرون أن بلادهم فقدت جزءًا من استقلالها الاقتصادي.
السودان وليبيا وغزة.. بؤر الخلاف الكبرى
تناول التقرير حالة القلق المصري من الدعم الإماراتي لقوات الدعم السريع في السودان، وهي القوات المتهمة بارتكاب انتهاكات واسعة خلال الحرب الدائرة هناك. ورغم اعتراف الإمارات بتقديم دعم مبكر لتلك القوات، فإنها تنفي استمرار هذا الدعم.
كما أشار التقرير إلى مخاوف القاهرة من النفوذ الإماراتي في ليبيا، إضافة إلى دعم كيانات انفصالية في منطقة أرض الصومال، فضلًا عن التحركات المتعلقة بقطاع غزة ومستقبله السياسي، والتي ترى مصر أنها قد تؤثر على أمنها القومي.
ولفت التقرير إلى أن القاهرة تخشى من أي ترتيبات إقليمية قد تؤدي إلى دفع الفلسطينيين نحو الحدود المصرية، خاصة مع استمرار الحرب والضغوط العسكرية على قطاع غزة.
سد النهضة والتحالفات الجديدة
بحسب التقرير، فإن أكثر الملفات حساسية بالنسبة لمصر يتمثل في التقارب الإماراتي مع إثيوبيا وإسرائيل، وهو ما تعتبره القاهرة تهديدًا مباشرًا لمصالحها الاستراتيجية.
وأوضح أن مشروع سد النهضة الإثيوبي لا يزال يمثل أخطر تهديد للأمن المائي المصري، في ظل اعتماد البلاد شبه الكامل على مياه نهر النيل. وأضاف أن بعض الأصوات داخل مصر تتهم الإمارات بلعب دور في تشجيع إثيوبيا على الاستمرار في المشروع من خلال الاستثمارات والعلاقات السياسية المتنامية بين الجانبين.
كما أشار التقرير إلى أن التقارب الإماراتي مع إسرائيل، خاصة في ظل الحرب على غزة، يثير مخاوف مصرية من تغيرات جيوسياسية قد تؤثر على التوازنات الإقليمية لعقود طويلة.
الإمارات ترى مصر “ناكرة للجميل”
في المقابل، نقل التقرير وجهة النظر الإماراتية التي تعتبر أن أبو ظبي قدمت لمصر دعمًا اقتصاديًا ضخمًا على مدار سنوات، خصوصًا خلال الأزمة الاقتصادية الحادة التي شهدتها البلاد عام 2023.
وأوضح أن الإمارات ضخت مليارات الدولارات في الاقتصاد المصري، وساهمت في حصول القاهرة على دعم مالي من المؤسسات الدولية والاتحاد الأوروبي، إضافة إلى تنفيذ استثمارات وصفقات ضخمة داخل السوق المصرية.
لكن الإماراتيين – بحسب التقرير – يشعرون بأن القاهرة لم تُظهر ما يكفي من الدعم السياسي في المقابل، خصوصًا خلال التوترات الإقليمية الأخيرة مع إيران، حيث فضّلت مصر الدعوة إلى التهدئة بدلًا من الانخراط في أي مواجهة مباشرة.
وأضاف التقرير أن بعض الأصوات داخل أبو ظبي تتحدث عن ضرورة اتخاذ مواقف أكثر صرامة تجاه القاهرة، على غرار ما حدث مع باكستان عندما طالبتها الإمارات بسداد قروض كبيرة ورحّلت آلاف العمال الباكستانيين.
القاهرة تبحث عن بدائل جديدة
ورغم التوترات المتزايدة، أكدت المجلة أن الطرفين لا يستطيعان الوصول إلى مرحلة القطيعة الكاملة بسبب تشابك المصالح الاقتصادية والسياسية والأمنية بينهما.
وأشار التقرير إلى أن السيسي حاول خلال الفترة الأخيرة احتواء الخلافات عبر تقديم عروض دعم عسكري للإمارات إذا تجدد التصعيد مع إيران، إلى جانب توجيه وسائل الإعلام المصرية لتخفيف الانتقادات الموجهة لأبو ظبي.
وفي الوقت نفسه، بدأت القاهرة – وفق التقرير – في تنويع تحالفاتها الإقليمية من خلال تعزيز علاقاتها مع قطر والسعودية وتركيا، في محاولة لتقليل اعتمادها الكامل على الإمارات.
واختتم التقرير بالإشارة إلى أن مصر لم تعد قادرة على تجاهل النفوذ الإماراتي المتصاعد، لكنها في المقابل تدرك أيضًا أنها لا تستطيع الاستغناء عن الدعم المالي والاستثماري القادم من الخليج، وهو ما يجعل العلاقة بين البلدين مرشحة لمزيد من التوتر الحذر خلال المرحلة المقبلة.

