كشفت أزمة تفشي إيبولا في الكونغو الديمقراطية وأوغندا حدود الجاهزية المعلنة في مصر، إذ قالت وزارة الصحة المصرية إن الدولة رفعت درجة الاستعداد القصوى في المنافذ البرية والجوية والبحرية، مؤكدة عدم تسجيل أي إصابة داخل البلاد حتى الآن.

 

وتأتي الطمأنة الرسمية في وقت يحتاج فيه المواطن إلى معلومات واضحة عن الحجر الصحي وغرف العزل ومسار الاشتباه، لأن الحكومة تعلن الاستعداد من دون نشر تفاصيل كافية عن الإمكانات، بينما يظل الخوف الشعبي مرتبطا بذاكرة أزمات صحية سابقة وضعف الثقة في البيانات العامة.

 

 

الطمأنة الرسمية لا تغني عن كشف خطة المنافذ

 

في البداية، قالت وزارة الصحة إن مصر خالية من إصابات إيبولا، وإنها تتابع الوضع بالتنسيق مع منظمة الصحة العالمية والمركز الأفريقي لمكافحة الأمراض، لكن هذا الإعلان لا يوضح عدد الفرق الطبية في المنافذ، ولا يشرح كيف تفحص السلطات القادمين من مناطق الخطر.

 

وبعد إعلان رفع الاستعداد، بقيت الأسئلة العملية معلقة أمام المواطنين، لأن الوزارة لم تعلن خريطة المنافذ الأكثر تعرضا لحركة السفر من أفريقيا، ولم تنشر إجراءات مكتوبة للفحص والعزل، ولم تحدد المستشفيات التي تستقبل أي حالة مشتبه بها إذا ظهرت الأعراض.

 

كما أن عبارة الوضع مستقر لا تكفي وحدها، لأن الاستقرار الصحي لا يثبت بالتصريحات فقط، بل يثبت ببيانات دورية عن أعداد القادمين المفحوصين، وآليات الإبلاغ، وقدرة معامل التحليل، وتوافر أدوات الوقاية للعاملين في الحجر الصحي والمستشفيات.

 

وقال الدكتور محمد عوض تاج الدين، مستشار رئيس الجمهورية للشؤون الصحية، أن مصر شددت إجراءات الترصد في المنافذ وتتابع القادمين من مناطق الخطر، وهذا التقدير يدعم ضرورة التحرك المبكر، لكنه يفتح في الوقت نفسه سؤالا عن حجم التفاصيل التي يجب إعلانها للرأي العام.

 

لذلك لا يرفض المواطن إجراءات الاحتراز، لكنه يرفض أن تتحول الطمأنة إلى بديل عن الشفافية، فالحكومة مطالبة بأن تقول ماذا تفعل في كل منفذ، وكيف تتحرك عند الاشتباه، ومن يتحمل المسؤولية إذا دخلت حالة مصابة من دون رصد مبكر.

 

 

الخطر إقليمي والحكومة تتحدث بلغة عامة

 

في المقابل، أعلنت منظمة الصحة العالمية في 17 مايو 2026 أن تفشي مرض إيبولا الناتج عن فيروس بونديبوجيو في الكونغو الديمقراطية وأوغندا يمثل طارئة صحية عامة تثير قلقا دوليا، مع تأكيد أن الوضع لا يستوفي معايير حالة الجائحة.

 

كما تشير بيانات التفشي إلى أن الخطر لا يخص دولة واحدة، لأن الكونغو الديمقراطية سجلت مئات الحالات المشتبه بها، بينما أعلنت أوغندا حالات مؤكدة مرتبطة بالانتقال عبر الحدود، وهو ما يجعل التحرك المصري مطلوبا بحكم موقع البلاد وحركة السفر والتجارة.

 

وقال تيدروس أدهانوم غيبريسوس، المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، إن إعلان الطوارئ يهدف إلى وضع الدول المجاورة في حالة تأهب وحشد الدعم الدولي، وهذا الكلام يضع الحكومة المصرية أمام واجب واضح يتجاوز البيانات المختصرة إلى خطة معلنة قابلة للمتابعة.

 

وبسبب طبيعة فيروس إيبولا، لا ينتقل المرض عبر الهواء مثل فيروسات الجهاز التنفسي، بل يحتاج غالبا إلى مخالطة مباشرة مع سوائل جسم المصاب أو الأدوات الملوثة، لكن هذا لا يقلل أهمية العزل السريع وتتبع المخالطين عند ظهور أي حالة.

 

ومن هنا الخطاب الحكومي في مصر بشأن الوباء أضعف من حجم الخطر الإقليمي، لأن القول إن مصر بلا إصابات لا يشرح كيف ستمنع الدولة دخول الإصابة الأولى، ولا يوضح هل تمتلك المستشفيات المعنية غرف عزل كافية وفرق تدريب جاهزة للتعامل مع الحالات.

 

 

ضعف الإمكانات يجعل الشفافية ضرورة لا رفاهية

 

بعد ذلك، يفرض وضع القطاع الصحي المصري واقعا لا يمكن تجاهله، لأن المواطنين يعرفون من تجاربهم اليومية أن المستشفيات العامة تواجه ضغطا في الأسرة والأدوية والأطقم، لذلك لا تقنعهم الجملة الرسمية ما لم تصاحبها أرقام دقيقة عن الإمكانات المخصصة لخطر إيبولا.

 

ويقول جان كاسيا، المدير العام للمركز الأفريقي لمكافحة الأمراض والوقاية منها، إن تفشي بونديبوجيو يمثل طارئة صحية على مستوى القارة، بسبب حركة السكان عبر الحدود وغياب لقاحات أو علاجات نوعية معتمدة لهذه السلالة، وهو تحذير يجب أن ينعكس على استعدادات مصر.

 

كذلك تكشف التجارب الوبائية أن التأخر في اكتشاف الحالات يضاعف الخطر، فقد أظهرت تقارير دولية أن أخطاء الفحص وتأخر الإبلاغ وممارسات الدفن غير الآمنة ساعدت على انتشار المرض في مناطق من الكونغو، وهذه الدروس تجعل الاستعداد المصري المبكر أمرا لا يحتمل الغموض.

 

وعلى هذا الأساس، تحتاج الحكومة إلى إعلان بروتوكول واضح للمواطنين والمسافرين، يشرح أعراض الاشتباه ومسار التواصل مع الصحة وأماكن العزل ومستوى حماية الأطقم الطبية، لأن نشر هذه المعلومات لا يثير الذعر، بل يمنع الشائعات ويجعل الناس شركاء في الوقاية.

 

وفي الوقت نفسه، يجب أن توضح وزارة الصحة كيف ستتعامل مع الرحلات القادمة من مناطق التفشي، وكيف ستتابع المخالطين إذا ظهرت حالة، وكيف ستوفر حماية للأطباء والممرضين، لأن العاملين في الصف الأول يتحملون الخطر الأكبر عند ضعف التدريب أو نقص المستلزمات.

 

لذلك تبدو أزمة إيبولا اختبارا سياسيا وصحيا للحكومة المصرية، فرفع درجة الاستعداد خطوة مطلوبة، لكنها لا تكفي إذا بقيت الإجراءات خلف الأبواب، لأن المواطن لا يطلب طمأنة مطلقة، بل يطلب معرفة ما الذي جرى فعلا قبل وصول الخطر إلى الداخل.

 

وتبقى الخلاصة أن مصر لم تسجل إصابات حتى الآن، لكن غياب التفاصيل الكافية يجعل الطمأنة الرسمية ناقصة، فالحكومة تستطيع أن ترفع درجة الاستعداد في كل المنافذ، لكنها لن تكسب ثقة المواطنين إلا عندما تنشر خطة واضحة تكشف الإمكانات وتحدد المسؤوليات.