أعلن مجلس الوزراء في مصر تعديل اللائحة التنفيذية لقانون الخدمة المدنية بالقرار رقم 1509 لسنة 2026، لاختيار القيادات العليا في الوزارات والمؤسسات الحكومية عبر الأكاديمية الوطنية للتدريب وهيئة الرقابة الإدارية، ثم رفع القوائم النهائية إلى رئيس الجمهورية لاعتماد التعيين.
ويضع القرار ملف المناصب الحكومية الرفيعة داخل مسار مركزي شديد الإحكام، لأن الموظف المؤهل لم يعد يمر فقط عبر جهة عمله ولجنة اختيار معلنة، بل عبر تدريب إلزامي وفحص رقابي واعتماد رئاسي، بما يحول شعار الكفاءة إلى آلية سياسية تضيق هامش المؤسسات داخل الجهاز الإداري للدولة.
من إعلان الوظائف إلى تضييق باب الاختيار
في البداية، استبدل القرار نصوص المواد 52 و53 و54 و55 و56 و57 و58 و59 و62 من اللائحة التنفيذية لقانون الخدمة المدنية، وربط شغل الوظائف القيادية والإشرافية بمسار جديد يبدأ بالإعلان المبكر عن الوظائف الخالية أو المتوقع خلوها خلال 6 أشهر داخل كل وحدة إدارية.
وبحسب المادة 52 المعدلة، تلتزم كل جهة حكومية بإعلان مسميات الوظائف ومستوياتها ووصف مهامها والشروط والملفات المطلوبة، كما تحدد الجهة مدة تلقي الطلبات ومكان تقديمها، بحيث لا تقل مدة الإعلان عن 15 يوما، ولا تتجاوز إجراءات الإعلان والاختيار مدة 3 أشهر.
غير أن صياغة الشفافية لا تلغي جوهر التحكم، لأن الإعلان يفتح الباب شكليا أمام المتقدمين، ثم تنقل المراحل اللاحقة القرار الفعلي إلى جهات تقييم وتدريب ورقابة خارج المسار الإداري المباشر، ما يجعل المنافسة محكومة منذ البداية بفلتر سياسي وأمني لا يراه الموظف كاملا.
ويشير الدكتور صفوت النحاس، الرئيس الأسبق للجهاز المركزي للتنظيم والإدارة، في قراءته لملف الإصلاح الإداري، إلى أن معيار الجدارة لا يكتمل بمجرد إعلان الوظيفة أو تشكيل لجنة، لأن الاختيار العادل يحتاج قواعد معلنة وقابلة للمراجعة، لا مراحل مغلقة يصعب على المتضرر الطعن في نتائجها.
لذلك تبدو التعديلات أقرب إلى إعادة هندسة باب القيادات لا تحريره، فالحكومة تقول إنها تنهي الترشيحات المفاجئة، لكنها تضع بدلا منها مسارا أعلى مركزية، يبدأ في الوحدة الإدارية وينتهي عند الرئاسة، بينما يبقى الموظف داخل الحلقة الأضعف في معادلة القرار والتظلم.
الأكاديمية والرقابة والإدارة تحت عين واحدة
ثم منحت المنظومة الجديدة الأكاديمية الوطنية للتدريب دورا حاسما في تأهيل وتقييم المرشحين، فلم يعد الترشيح من الجهة الحكومية كافيا لشغل المنصب، بل صار المرشح مطالبا باجتياز برامج تدريبية وتقييمية قبل دخول القائمة النهائية، وهو تحول يرفع سلطة الأكاديمية من التدريب إلى الفرز.
كما يتزامن دور الأكاديمية مع تنسيق كامل مع هيئة الرقابة الإدارية للتحقق من نزاهة المرشحين وموضوعية الاختيار، وهو شرط يبدو منضبطا على الورق، لكنه يفتح بابا حساسا أمام تدخل الأجهزة الرقابية في مستقبل الموظفين القياديين من دون إعلان تفصيلي لمعايير الاستبعاد أو قبول المرشحين.
وتوضح الدكتورة نهى بكر، أستاذة العلوم السياسية بالجامعة الأمريكية في القاهرة، أن الحوكمة لا تعني زيادة عدد الجهات المتدخلة في القرار فقط، بل تعني وضوح المسؤولية أمام الجمهور والموظفين، لأن تعدد البوابات من دون شفافية قد يحول المساءلة إلى مساحة رمادية بين التدريب والرقابة والتعيين.
وبناء على ذلك، لا تكفي عبارة النزاهة والموضوعية لطمأنة الجهاز الإداري، لأن الموظف يحتاج معرفة أسباب تقييمه ونتيجة تدريبه وموقف الفحص الرقابي، كما يحتاج ضمانة تمنع استخدام هذه المراحل لإبعاد غير المرغوب فيهم سياسيا أو ترقية الأكثر ولاء تحت غطاء الكفاءة.
كذلك يضع القرار قائمة المجتازين بحسب أعلى الدرجات قبل رفعها إلى رئيس الجمهورية، لكن النص لا يبدد السؤال الأهم عن وزن كل معيار داخل التقييم، ولا يوضح كيف تتقاطع الدرجة الفنية مع رأي الرقابة، ولا يحدد هل يستطيع المرشح الاعتراض قبل انتقال الملف إلى مستوى الرئاسة.
ومن ثم يصبح دور الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة أقل حسما مما توحي به الصياغة الرسمية، فالقرار يتيح له متابعة حركة الترقيات والتعيينات، لكنه لا يجعله صاحب الكلمة النهائية، لأن المسار الحقيقي يتحرك من لجنة الاختيار إلى الأكاديمية والرقابة ثم إلى الاعتماد الرئاسي.
قرار رئاسي فوق الجهاز الإداري
بعد ذلك، تنتهي المنظومة الجديدة برفع القائمة النهائية مباشرة إلى رئيس الجمهورية للنظر في اعتمادها، ولا تصدر قرارات التعيين الرسمية إلا بعد هذا الاعتماد، وبذلك ينتقل شغل المناصب القيادية من إطار إداري يفترض أنه مهني إلى دائرة سياسية عليا تجعل الرئاسة طرفا مباشرا في كل تعيين قيادي.
وفي هذا السياق، يرى الدكتور عمرو هاشم ربيع، الباحث في النظم السياسية ونائب رئيس مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، أن مركزية القرار داخل السلطة التنفيذية تضعف المؤسسات الوسيطة عندما تصبح كل التفاصيل معلقة بالقمة، لأن الإدارة لا تنضج إذا انتظرت اعتمادا سياسيا في كل موقع مؤثر.
كما تفرض التعديلات قيودا على التمديد أو التكليف العشوائي في المناصب القيادية، وتدفع الجهات الحكومية إلى إعداد كوادر بديلة قبل خلو المناصب، لكن هذه الميزة التنظيمية تفقد جزءا من قيمتها عندما تظل النهاية مرتبطة بقرار رئاسي لا بمسابقة نهائية معلنة النتائج والأسباب.
وبالتوازي، جاءت التعديلات مستندة إلى الدستور وقانون الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة رقم 118 لسنة 1964 وقانون الخدمة المدنية رقم 81 لسنة 2016 وقانون المالية العامة الموحد رقم 6 لسنة 2022، بعد أخذ رأي مجلس الخدمة المدنية وموافقة مجلس الوزراء وما ارتآه مجلس الدولة.
غير أن كثافة الإسناد القانوني لا تعني بالضرورة عدالة النتيجة، لأن السلطة التنفيذية تستطيع بناء مسار شديد الرسمية ينقل الاختيار إلى مركز ضيق، ثم تقدمه باعتباره إصلاحا إداريا، بينما يظل العاملون داخل الوزارات والمحليات أمام نظام أعلى تعقيدا وأقل قدرة على كشف أسباب صعود القيادات.
وتزامن تداول القرار مع ملفات أخرى تخص موظفي الدولة، منها تحركات برلمانية حول قانون فصل الموظفين متعاطي المخدرات وإعلانات تعيين في جهات قضائية، ما يعكس اتجاها حكوميا أوسع لإعادة ضبط المجال الوظيفي العام عبر قرارات متلاحقة، من دون نقاش عام كاف يسبق التنفيذ.
وعند هذه النقطة، يظهر الفرق بين تطوير الإدارة والسيطرة عليها، فالتطوير يوسع المنافسة ويعلن المعايير ويفتح مسار الطعن، أما السيطرة فتضيف مراحل تدريب ورقابة واعتماد حتى يصبح المنصب الحكومي مرهونا برضا الدوائر العليا، لا فقط بكفاءة الموظف وخبرته داخل مؤسسته.
وتبقى الخلاصة أن القرار رقم 1509 لسنة 2026 لا يغير فقط لائحة تنفيذية، بل يعيد ترتيب خريطة النفوذ داخل الجهاز الإداري للدولة، فالحكومة ترفع شعار الجدارة، لكنها تمنح الرئاسة والأكاديمية والرقابة اليد الأعلى في اختيار القيادات، وتترك الموظفين أمام شفافية معلنة وقرار نهائي مغلق.

