تشهد أسواق الذهب حالة من الترقب والقلق مع اقتراب تطبيق زيادات جديدة على “المصنعية” الخاصة بالمشغولات الذهبية، اعتباراً من يونيو المقبل، في خطوة تهدد بمزيد من الركود داخل سوق يعاني بالفعل من تراجع القوة الشرائية وانخفاض معدلات الإقبال على الشراء، خاصة بعد انتهاء موسم عيد الأضحى الذي يمثل أحد أهم مواسم الرواج لتجارة الذهب والمجوهرات.
وبحسب متعاملين في سوق الصاغة، تستعد شركات تصنيع المشغولات الذهبية لرفع قيمة المصنعية بنسب متفاوتة، تشمل زيادة تصل إلى 30 جنيهاً للجرام على مشغولات عيار 21، و60 جنيهاً على عيار 18، وسط اعتراضات واسعة من تجار التجزئة الذين يرون أن السوق لم يعد قادراً على استيعاب أعباء جديدة في ظل تباطؤ المبيعات وتراجع الإقبال الشعبي على شراء المشغولات.
ويأتي القرار في وقت يتحرك فيه سعر جرام الذهب عيار 21، الأكثر تداولاً بين 6800 و6815 جنيهاً، بينما أصبحت المصنعية تمثل ما يقرب من 5% من القيمة الإجمالية للجرام، وفق تقديرات اقتصادية حديثة، الأمر الذي يضاعف العبء على المستهلك النهائي، خصوصاً المقبلين على الزواج والأسر محدودة ومتوسطة الدخل.
ركود يضرب الأسواق ومخاوف من انهيار المبيعات
ويرى عاملون في قطاع الذهب أن الزيادات المرتقبة قد تؤدي إلى تعميق حالة الركود التي تضرب الأسواق منذ أشهر، خاصة مع تراجع قدرة المواطنين على الشراء نتيجة موجات التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة.
ويؤكد تجار أن المستهلك بات ينظر إلى “المصنعية” باعتبارها عبئاً يفوق أحياناً قيمة الربح المتوقع عند إعادة بيع المشغولات، وهو ما دفع كثيرين للتحول نحو شراء السبائك والجنيهات الذهبية باعتبارها أدوات ادخار واستثمار أقل تكلفة وأكثر قابلية للاسترداد.
وتشهد بعض العلامات التجارية الشهيرة في سوق الذهب فرض مصنعيات مرتفعة للغاية تتراوح بين 250 و1000 جنيه للجرام الواحد، خاصة على المشغولات المستوردة أو ذات التصميمات الفاخرة، ما أثار انتقادات واسعة داخل السوق، حيث يرى البعض أن تلك الأسعار باتت مبالغاً فيها ولا تتناسب مع الوضع الاقتصادي الحالي.
السبائك تتفوّق على المشغولات
وتكشف بيانات حديثة صادرة عن مجلس الذهب العالمي عن تحوّل واضح في سلوك المستهلك خلال الفترة الأخيرة، إذ انخفض الطلب على المشغولات الذهبية بنسبة 19% خلال الربع الأول من عام 2026، ليسجل نحو 5.2 أطنان فقط مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
في المقابل، ارتفع الإقبال على السبائك والعملات الذهبية، التي سجلت طلباً بلغ 5.7 أطنان خلال الربع الأول من العام الجاري، بزيادة سنوية بلغت 22% مقارنة بالفترة ذاتها من 2025، رغم تراجعها مقارنة بالربع الأخير من العام الماضي.
ويعكس هذا الاتجاه تنامي ثقافة الادخار والاستثمار في الذهب الخام بعيداً عن المشغولات، خاصة أن السبائك لا تتحمل تكاليف مصنعيات مرتفعة، كما أنها تتيح للمستهلك استرداد جزء أكبر من قيمة الذهب عند البيع.
ويقول متعاملون إن كثيراً من الأسر أصبحت تفضّل شراء السبائك الصغيرة والجنيهات الذهبية بدلاً من الشبكة التقليدية، لتقليل الخسائر المرتبطة بالمصنعية والضرائب، في ظل ارتفاع غير مسبوق في أسعار المعدن النفيس.
موجة عالمية تضغط على السوق المحلي
الارتفاعات الجديدة في المصنعية تأتي بالتزامن مع موجة صعود تاريخية لأسعار الذهب عالمياً، بعدما تجاوز سعر الأونصة مستوى 5600 دولار خلال يناير 2026، قبل أن يتراجع لاحقاً ليستقر قرب 4500 دولار.
ويؤكد خبراء أن هذا الارتفاع انعكس مباشرة على تكلفة التصنيع، نظراً لزيادة قيمة الفاقد أثناء عمليات الإنتاج، وهي الكميات التي تُهدر خلال التشكيل والصياغة وتُعرف داخل السوق باسم “الخسية”.
وأوضح الدكتور وليد فاروق، مدير “مرصد الذهب”، أن نسبة الفاقد تختلف بحسب طبيعة المشغولات، وتتراوح بين 3 و5 غرامات لكل كيلوغرام من الذهب المصنع، ما يرفع تلقائياً تكلفة الإنتاج والمصنعية.
وأضاف أن المصانع تأثرت كذلك بارتفاع تكاليف التشغيل والطاقة والنقل والعمالة، إلى جانب زيادة سعر الدولار من نحو 48 جنيهاً إلى 53 جنيهاً، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على الأسعار النهائية للمشغولات.
وأشار إلى أن المشغولات اليدوية والتصميمات المعقدة تظل الأعلى من حيث المصنعية، بينما ترتفع تكلفة تصنيع عيار 18 مقارنة بعيار 21 بسبب زيادة صلابته وارتفاع نسبة الفاقد أثناء تصنيعه.
ضريبة جديدة تلوح في الأفق
ولا تتوقف الضغوط عند حدود ارتفاع المصنعية فقط، إذ تستعد الأسواق أيضاً لتطبيق زيادة جديدة في ضريبة القيمة المضافة بنسبة 10% اعتباراً من يوليو المقبل، وفق بروتوكول موقّع بين الشعبة العامة للذهب ومصلحة الضرائب.
ويرى مراقبون أن هذه الخطوة قد تؤدي إلى ارتفاع إضافي في أسعار المشغولات الذهبية، ما يهدد بمزيد من التراجع في المبيعات، خاصة مع استمرار ضعف الدخول وارتفاع معدلات التضخم.
ويخشى تجار التجزئة من أن تؤدي الزيادات المتتالية إلى خروج شريحة واسعة من المستهلكين من السوق نهائياً، وهو ما قد يدفع بعض الورش الصغيرة ومحال الصاغة إلى تقليص نشاطها أو الإغلاق بسبب ضعف حركة البيع.
قفزات تاريخية في قيمة المصنعية
وتكشف البيانات التاريخية عن تغير جذري في هيكل تسعير الذهب داخل السوق المصرية خلال العقود الماضية، إذ كان متوسط مصنعية جرام الذهب عيار 21 عام 1998 لا يتجاوز 3.35 جنيهات، بينما كان سعر الجرام وقتها نحو 29 جنيهاً فقط.
أما في عام 2018 فقد ارتفع متوسط المصنعية إلى نحو 33 جنيهاً للجرام مع وصول سعر الذهب إلى 627 جنيهاً، قبل أن تقفز حالياً إلى متوسط يتراوح بين 350 و400 جنيه للجرام الواحد.
ويؤكد موزعون في شعبة الذهب بالغرف التجارية أن المصنعية تشمل عدة عناصر، أبرزها تكلفة التشغيل والأجور والطاقة والفاقد وهامش الربح، إضافة إلى اختلافات مرتبطة بدرجة تعقيد التصميم وجودة التشطيب والحرفية المستخدمة في الإنتاج.
ومع استمرار ارتفاع الأسعار عالمياً ومحلياً، يبدو أن سوق الذهب مقبل على مرحلة أكثر صعوبة، قد تشهد مزيداً من التحول من شراء المشغولات إلى الذهب الاستثماري، في وقت تتزايد فيه المخاوف من تأثير تلك التطورات على واحدة من أقدم وأهم الأسواق التجارية في البلاد.

