كشفت تقديرات مرتبطة بملف المياه في مصر عن ارتفاع العجز المائي إلى نحو 21 مليار متر مكعب سنويًا، بالتزامن مع توسع حكومي متسارع في إنشاء محطات تحلية مياه البحر، بعدما فشلت مفاوضات سد النهضة في حماية حصة مصر التاريخية من مياه النيل، ما هدد بخروج 130 ألف فدان من الخدمة الزراعية مع كل مليار متر مكعب تفقده البلاد.
وتأتي هذه التطورات بعد سنوات من التعثر السياسي والإداري في إدارة أخطر ملفات الأمن القومي، بينما تحاول السلطة تقديم مشروعات التحلية باعتبارها مخرجًا للأزمة، رغم اعتراف مختصين بأن المياه المحلاة لا تستطيع تعويض الفاقد الحقيقي الناتج عن تراجع تدفقات النيل واحتجاز المياه خلف السد الإثيوبي.
عجز متصاعد وتحلية عاجزة عن تعويض الفاقد
تخوض الدولة المصرية سباقًا مكلفًا لإنشاء محطات تحلية جديدة بهدف تقليل آثار أزمة المياه، بعد وصول البلاد إلى مرحلة الفقر المائي وتراجع نصيب الفرد بصورة حادة خلال السنوات الأخيرة.
وفي هذا السياق تتوسع الحكومة في مشروعات التحلية على امتداد المدن الساحلية، بالتوازي مع محاولات تقليل الاعتماد على مياه النيل التي تعرضت لضغوط متزايدة منذ تعثر مفاوضات سد النهضة.
كما يطرح مختصون تساؤلات متصاعدة حول قدرة هذه المحطات على سد الفجوة المائية الحقيقية، خاصة أن العجز الحالي وصل إلى نحو 21 مليار متر مكعب سنويًا وفق تقديرات متداولة مرتبطة بالملف.
ويقول الدكتور كريم عادل رئيس مركز العدل للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية إن محطات التحلية تمثل حلًا محدودًا ومكملًا فقط، لكنها لا تستطيع أن تكون بديلًا فعليًا لمياه النيل التي فقدتها مصر بسبب أزمة السد الإثيوبي.
وأوضح عادل أن الفارق بين مياه النيل والمياه المحلاة لا يتعلق فقط بالكميات، بل أيضًا بطبيعة الاستخدام، لأن الزراعة المصرية تعتمد بصورة أساسية على المياه العذبة منخفضة التكلفة وليس على المياه مرتفعة الكلفة الناتجة عن التحلية.
وأضاف عادل أن الحكومة تخطط للوصول إلى إنتاج يقارب 10 ملايين متر مكعب يوميًا من المياه المحلاة خلال السنوات المقبلة، بما يعادل نحو 3.65 مليار متر مكعب سنويًا، وهو رقم يظل بعيدًا عن حجم العجز الفعلي الذي تعانيه البلاد.
وأشار عادل إلى أن حصة مصر التاريخية من مياه النيل تبلغ 55.5 مليار متر مكعب سنويًا، بينما تحتاج الدولة إلى كميات أكبر لتغطية احتياجات السكان والزراعة والصناعة بعد الزيادة السكانية المتسارعة.
وأكد عادل أن محطات التحلية تحتاج إلى استثمارات ضخمة وكميات كبيرة من الطاقة، ما يجعل استخدامها في ري ملايين الأفدنة الزراعية غير عملي اقتصاديًا، خصوصًا في ظل الأزمة الاقتصادية الحالية وارتفاع أعباء الديون.
سد النهضة يضغط على الزراعة ويهدد الأمن الغذائي
يرى نائب مدير مركز تفكير للدراسات والشؤون السياسية هاني الجمل أن أزمة سد النهضة تحولت من ملف تفاوضي إلى أزمة أمن قومي ممتدة، بعدما نجحت إثيوبيا في فرض واقع مائي جديد مستفيدة من تعثر المسار السياسي والتفاوضي.
وأوضح الجمل أن تعثر الاتفاق الإطاري خلال فترة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منح أديس أبابا مساحة أوسع لاستكمال مشروع السد وفرض سياسة الأمر الواقع على دول المصب.
وأضاف الجمل أن مصر فقدت ما بين 2.5 و3 مليارات متر مكعب سنويًا من إيراد النيل الأزرق، وهو ما ساهم في رفع العجز المائي الإجمالي إلى نحو 21 مليار متر مكعب خلال الفترة الأخيرة.
وأشار الجمل إلى أن كل مليار متر مكعب تفقده مصر يهدد مباشرة بخروج نحو 130 ألف فدان من الرقعة الزراعية، ما يضاعف الضغوط على الأمن الغذائي وفرص العمل داخل الريف المصري.
وأكد الجمل أن الحكومة اضطرت خلال السنوات الأخيرة إلى تقليص زراعة بعض المحاصيل الشرهة للمياه مثل الأرز، في محاولة لاحتواء الأزمة وتقليل الاستهلاك المائي داخل القطاع الزراعي.
كما تعتمد السلطة على التوسع في التحلية وتطوير شبكات الري واستخدام مخزون بحيرة ناصر كحلول مؤقتة لتخفيف آثار النقص المائي، رغم أن هذه الإجراءات لا تعالج جذور الأزمة المرتبطة بالسد الإثيوبي.
ولفت الجمل إلى أن مصر تمتلك حاليًا نحو 129 محطة تحلية تنتج قرابة 1.4 مليون متر مكعب يوميًا، مع خطة حكومية تستهدف الوصول إلى 9 ملايين متر مكعب يوميًا بحلول عام 2050.
واعتبر الجمل أن هذه الخطط تعكس حجم المأزق الذي وصلت إليه الدولة بعد سنوات من الإخفاق في حماية الحقوق المائية التاريخية، خاصة أن التحلية لا تستطيع تعويض الاستخدام الزراعي الواسع لمياه النيل.
حلول مكلفة بعد سنوات من الإخفاق السياسي
يحذر أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة عباس شراقي من أن غياب اتفاق قانوني ملزم بشأن تشغيل سد النهضة يزيد من احتمالات تعرض مصر لضغوط مائية أكبر خلال فترات الجفاف المقبلة.
وأوضح شراقي أن أي تراجع إضافي في تدفقات النيل الأزرق سيؤدي إلى استنزاف مخزون بحيرة ناصر بصورة أكبر، ما يضع الدولة أمام اختيارات صعبة تتعلق بتوزيع المياه بين الشرب والزراعة والصناعة.
وأضاف شراقي أن الحكومة بدأت بالفعل اتخاذ إجراءات لتقليل استهلاك المياه عبر خفض مساحات بعض المحاصيل الزراعية، لكن استمرار الأزمة دون حل جذري سيؤدي إلى اتساع هذه الإجراءات مستقبلًا.
وأشار شراقي إلى أن أخطر ما تواجهه مصر حاليًا يتمثل في التراجع التدريجي للرقعة الزراعية، بالتزامن مع ارتفاع تكلفة الغذاء وزيادة الاعتماد على الاستيراد لتغطية احتياجات السوق المحلية.
كما تتزامن الأزمة مع ضغوط اقتصادية حادة يعانيها المواطن المصري نتيجة ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، بينما تتزايد المخاوف من تأثير نقص المياه على الإنتاج الزراعي وأسعار الغذاء.
ويرى مراقبون أن السلطة تحاول تسويق مشروعات التحلية باعتبارها إنجازًا تنمويًا، رغم أن الأرقام تكشف محدودية قدرتها على تعويض المياه التي فقدتها مصر بسبب فشل إدارة ملف السد الإثيوبي.
ويؤكد متابعون أن الأزمة الحالية لم تعد مجرد خلاف فني أو تفاوضي، بل تحولت إلى تهديد مباشر للأمن الغذائي والاجتماعي مع اتساع مخاطر تبوير الأراضي الزراعية وتراجع الإنتاج المحلي.
وفي ظل استمرار التعثر السياسي تبدو مصر أمام أزمة ممتدة تتجاوز ملف المياه وحده، بعدما دفعت سنوات من الإخفاق البلاد إلى البحث عن حلول مرتفعة الكلفة لتعويض جزء محدود من خسائر كان يمكن تقليلها باتفاق ملزم يحفظ حقوق المصريين المائية.

