أعلنت وكالة أنباء الإمارات في 7 مايو 2026 تفقد قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي ومحمد بن زايد مفرزة من المقاتلات المصرية المتمركزة داخل الإمارات، فتحول الإعلان من مشهد بروتوكولي إلى أزمة سياسية ودستورية داخل مصر، بعدما رأت قوى معارضة أن السلطة نقلت الجيش من حماية الحدود إلى اصطفاف عسكري في صراع إقليمي مشتعل.

 

وكشفت الزيارة فجوة خطيرة بين خطاب رسمي يرفع شعار حماية الأمن القومي العربي، وواقع سياسي يغيب عنه السؤال البرلماني والرقابة الشعبية، لأن ظهور المقاتلات المصرية في الخليج جاء وسط حرب أمريكية إسرائيلية إيرانية، ومخاوف من أن تدفع القاهرة ثمن تحالفات لا يملك المصريون حق مناقشتها.

 

إعلان المفرزة يحول التعاون الدفاعي إلى سؤال سياسي

 

جاء الإعلان الإماراتي عن مفرزة المقاتلات المصرية بعد أسابيع من تداول تساؤلات عن طبيعة الدعم المصري لدول الخليج، ولذلك لم يظهر الخبر كإجراء عسكري عادي، بل كأول اعتراف رسمي بوجود مقاتلات مصرية داخل دولة خليجية في توقيت مرتبط مباشرة بالتصعيد مع إيران.

 

وبينما قدمت أبوظبي والقاهرة الزيارة باعتبارها تفقدًا للجاهزية والاستعداد لمختلف التحديات، قرأت المعارضة المشهد من زاوية مختلفة، إذ ربطت الجبهة الشعبية للعدالة الاجتماعية الإعلان بما وصفته بتورط مصر في الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، واعتبرت أن ظهور القوات يفتح سؤال الانتشار العسكري المصري في دول خليجية أخرى.

 

ثم زاد الصمت المصري السابق من حدة الجدل، لأن القاهرة لم تقدم للرأي العام بيانًا واضحًا عن عدد القوات وطبيعة المهمة ومدة التمركز وحدود الاشتباك، لذلك بدا الإعلان الخارجي وكأنه كشف قرارًا سياديًا اتخذ في الغرف المغلقة قبل أن يعرف المصريون أصل الحكاية.

 

وفي هذا السياق، يخدم طرح أستاذ العلوم السياسية حسن نافعة محور الخطر الإقليمي، إذ يرى أن المواجهة الأمريكية الإسرائيلية مع إيران ليست حادثًا عابرًا، بل مسار ممتد يعيد تشكيل موازين القوة في المنطقة، وهذا يعني أن أي تموضع عسكري مصري بجوار الخليج لا يدخل في فراغ سياسي بل في قلب صراع مفتوح.

 

لذلك تحولت صور الطيارين والمقاتلات إلى رسالة أكبر من زيارة رئاسية، لأن السلطة أرادت إظهار اصطفاف مصري خليجي واضح، بينما رأى منتقدون أن الرسالة نفسها قد تضع القاهرة في موضع الطرف لا الوسيط، وتدفعها تدريجيًا إلى مساحة استهداف سياسي أو أمني لا تخدم المصريين.

 

الإعلام الموالي يبيع مسافة السكة والبرلمان يغيب عن القرار

 

واكب مصطفى بكري ومؤيدو السلطة الإعلان بخطاب يربط الوجود العسكري المصري بعبارة مسافة السكة، وقدموا المشهد باعتباره ضربة لخصوم النظام ورسالة ردع، لكن هذا الترويج كشف وظيفة الإعلام الموالي في تحويل قرار عسكري حساس إلى حملة تعبئة عاطفية لا تشرح الكلفة ولا تكشف الحدود.

 

وبدل أن يسأل الإعلام الرسمي عن التفويض الدستوري وطبيعة المهمة، ركزت المنصات القريبة من السلطة على أن أمن الخليج جزء من أمن مصر، وأن الوجود دفاعي وليس هجوميًا، غير أن تكرار هذه العبارات لم يلغ السؤال الأساسي عن الجهة التي راجعت القرار وناقشت مخاطره.

 

هنا يكتسب موقف أيمن نور وظيفة قانونية مباشرة داخل التقرير، لأنه ربط إرسال القوات بالمادة 152 من الدستور، وذكّر بأن رئيس الجمهورية لا يملك منفردًا إرسال القوات المسلحة في مهمة قتالية خارج الحدود، لأن النص يشترط دوائر موافقة ورقابة قبل أي تحريك قتالي.

 

وبالمقابل، حاول مصطفى بكري حصر الجدل في أن القوات لم تذهب للمشاركة في الحرب بل ضمن خطة دفاعية، لكن هذا الدفاع لم ينه الأزمة، لأن السلطة لم تنشر وثيقة رسمية تحدد هل المهمة تدريبية أم دفاعية أم قتالية محتملة، ولم تعرض الأمر على المصريين بقدر خطورته.

 

كذلك يحمل خطاب عمرو حمزاوي عن الدولة المدنية والرقابة على أدوار المؤسسة العسكرية قيمة تحريرية في هذا المحور، لأنه يربط توسع الجيش في أدوار خارج الرقابة بمخاطر تحويل المؤسسة العسكرية إلى طرف في صراعات السياسة العامة، وهو ما يجعل غياب البرلمان عن النقاش جزءًا من المشكلة لا تفصيلًا إجرائيًا.

 

ولهذا تبدو أزمة المفرزة أكبر من وجود طائرات في قاعدة خليجية، لأنها تكشف نمط حكم يطلب من المواطنين التصفيق بعد كل قرار، ثم يمنعهم من معرفة تفاصيل القرار، ثم يترك إعلام السلطة يملأ الفراغ بشعارات الردع والتحالفات والسيادة.

 

من الوساطة إلى الاصطفاف وكلفة مصرية لا يدفعها أصحاب القرار

 

يرتبط الخطر الثالث بصورة مصر الإقليمية، لأن القاهرة حاولت خلال الأشهر الماضية الحفاظ على خطوط اتصال مع أطراف متعددة، وشاركت في مسارات تهدئة وتحركات دبلوماسية مع دول مثل سلطنة عمان وتركيا وباكستان، لكن الإعلان العسكري في الإمارات يضع هذا الدور تحت ضغط واضح.

 

وبعد ذلك يصبح سؤال الوساطة واقعيًا لا دعائيًا، لأن الدولة التي تظهر مقاتلاتها في أرض حليف خليجي أثناء مواجهة مفتوحة مع إيران ستجد صعوبة في تقديم نفسها كطرف قادر على التواصل المتوازن مع كل الأطراف، خصوصًا إذا واصل خطابها الرسمي إدانة إيران وتجنب تسمية الضربات الأمريكية والإسرائيلية كمصدر للتصعيد.

 

كما يفتح الحديث عن وجود دعم مصري في أكثر من دولة خليجية بابًا أوسع للمساءلة، لأن التمدد العسكري خارج الحدود لا ينفصل عن الاعتماد الاقتصادي المصري على العواصم الخليجية، ولا ينفصل عن أزمة ديون تضغط على القرار السياسي وتجعل الرأي العام يسأل هل تحمي السلطة أمن مصر أم تسدد فواتير التحالفات.

 

ومن زاوية الأمن القومي، لا يستطيع أحد تجاهل خطورة تهديد الممرات البحرية مثل باب المندب وقناة السويس، لكن حماية هذه المصالح لا تعني منح السلطة تفويضًا مفتوحًا لإرسال قوات خارجية بلا رقابة، لأن أي ضربة في الخليج أو البحر الأحمر ستنعكس على اقتصاد مصري منهك أصلًا.

 

وهنا يخدم طرح حمزاوي حول بناء أمن إقليمي جماعي محور البديل السياسي، لأنه يدفع باتجاه ترتيبات تضم القوى الإقليمية بدل إدارة المنطقة بمنطق التدخل العسكري، وهذا التصور يناقض تحويل مصر إلى ذراع ميدانية في اصطفاف ضيق يضعها داخل نيران الآخرين.

 

في النهاية، لا تقف الأزمة عند صورة السيسي ومحمد بن زايد أمام مقاتلات مصرية، بل تبدأ منها، لأن الصورة كشفت قرارًا عسكريًا خارج النقاش العام، وإعلامًا يبرر قبل أن يسأل، وبرلمانًا غائبًا عن واحدة من أخطر قضايا السيادة، ومعارضة تحذر من أن الجيش المصري ليس ورقة ضغط في صراع لا يعرف المواطنون حدوده ولا كلفته.