أعلنت وزارة الطيران المدني، برئاسة الوزير سامح الحفني، طرح 20 مطارًا أمام الشركات والتحالفات العالمية كمرحلة أولى، خلال اجتماع حكومي اليوم الثلاثاء، مع تأكيد رسمي أن الدولة لن تتنازل عن ملكية الأصول، بينما تمضي الحكومة في تسليم التشغيل والإدارة للقطاع الخاص تحت عنوان تحسين الخدمات ونقل الخبرات.

 

كشفت الخطوة أن برنامج الطروحات الحكومية لم يعد محصورًا في شركات قابلة للبيع أو القيد بالبورصة، بل امتد إلى مرافق سيادية تمثل واجهة الدولة وحركة المسافرين والشحن، في وقت تربط فيه الحكومة توسيع دور القطاع الخاص بالحصول على شرائح قرض صندوق النقد الدولي البالغ 8 مليارات دولار.

 

20 مطارًا على طاولة التشغيل الخاص

 

بدأ وزير الطيران المدني سامح الحفني عرض خطة الطرح باعتبارها مرحلة أولى تشمل 20 مطارًا أمام الشركات والتحالفات العالمية، وربط الوزير القرار بنقل الخبرات التشغيلية الدولية وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمسافرين، لكن الصياغة الحكومية لم تجب بوضوح عن حدود سيطرة الشركات على الإدارة اليومية والعائدات ومسارات الاستثمار.

 

وأكد الحفني أن التوجه لا يعني التنازل عن ملكية الدولة للأصول أو سيادتها عليها، غير أن إبقاء الملكية الرسمية لا يلغي أثر نقل التشغيل والإدارة، لأن الشركة التي تتحكم في الخدمة والصيانة والتسعير التجاري والتعاقدات الداخلية تصبح صاحبة نفوذ فعلي على المرفق حتى لو بقي الأصل مسجلًا باسم الدولة.

 

وفي السياق نفسه، أوضح الوزير أن الحكومة تعمل بالتنسيق مع مؤسسة التمويل الدولية كمستشار استراتيجي، بهدف حوكمة عملية الطرح وصياغة نموذج تشغيل عالمي يحقق أقصى عائد اقتصادي ويطور البنية التحتية للمطارات، وهي صياغة تكشف أن القرار مرتبط منذ البداية بمنطق الاستثمار والعائد قبل منطق الرقابة العامة.

 

وتدعم الباحثة الاقتصادية سلمى حسين هذا المحور من زاوية مراقبة المال العام، إذ تنبه في كتاباتها إلى أن نقل عبء الإدارة والتمويل إلى ترتيبات السوق لا يحل مشكلة العدالة إذا غابت الشفافية، ولذلك تخدم رؤيتها هنا سؤالًا مباشرًا حول من يحدد العائد ومن يراقب تكلفة الخدمة على المواطنين والمسافرين.

 

مطار القاهرة ومبنى الركاب 4 ضمن مشروع توسع مكلف

 

انتقل وزير الطيران إلى مشروع إنشاء مبنى الركاب رقم 4 بمطار القاهرة الدولي، موضحًا أن المبنى يستهدف إضافة طاقة استيعابية تبلغ 30 مليون راكب سنويًا، بما يرفع إجمالي طاقة المطار إلى أكثر من 60 مليون راكب سنويًا، وهي أرقام ضخمة تحتاج إلى رقابة لا إلى إعلان دعائي فقط.

 

وبناء على ذلك، تصبح خطة التوسع في مطار القاهرة جزءًا من ملف أوسع لا يتعلق بعدد الركاب وحده، لأن أي زيادة في الطاقة الاستيعابية تعني إنفاقًا عامًا أو ترتيبات تمويل كبيرة، ثم تأتي الحكومة لتقول إن القطاع الخاص سيدير التشغيل، بما يفتح سؤالًا عن الطرف الذي يتحمل المخاطر والطرف الذي يجني العائد.

 

ومن هذه الزاوية، يخدم الباحث الاقتصادي عمرو عادلي محور إدارة المرافق العامة، لأنه يربط في أعماله بين نمط الدولة الاقتصادي وطريقة توزيع الموارد والسلطة داخل السوق، وبذلك يصبح طرح المطارات اختبارًا لتوازن غائب بين احتياج الدولة للدولار وحق المجتمع في معرفة شروط إدارة مرفق حيوي.

 

ثم وجه مصطفى مدبولي بالمضي قدمًا في خطط طرح المطارات للتشغيل من قبل القطاع الخاص، وقال إن الهدف هو الاستفادة من خبرات القطاع الخاص الدولية وضمان جودة التشغيل وفق أعلى المعايير العالمية، لكن هذه العبارات لا تكفي وحدها من دون نشر العقود ومحددات التسعير ونسب العائد ومدد التشغيل.

 

وفي موازاة ذلك، تحدث رئيس الوزراء عن الحفاظ على الاستثمارات الضخمة التي ضختها الدولة في القطاع وتعظيم العائد منها واستدامة جودة الخدمات للمسافرين، غير أن الحفاظ الحقيقي على المال العام لا يتم بتسليم الإدارة خلف أبواب مغلقة، بل بإعلان شروط التعاقد ومحاسبة من يفرط في قيمة الأصول.

 

الطروحات الحكومية تتحول إلى شرط مالي دائم

 

يرتبط طرح المطارات بمسار أوسع بدأ رسميًا في 2018 تحت عنوان برنامج الطروحات الحكومية، وهو برنامج قالت الحكومة إنه يستهدف تقليص دور الدولة في الاقتصاد وزيادة مساهمة القطاع الخاص، لكن حصيلة التنفيذ بقيت محدودة، إذ تضم القائمة الرسمية نحو 35 شركة بينما لم تتجاوز الطروحات المنفذة فعليًا 10.

 

وبعد 2022، أدخلت الحكومة عددًا من شركات جهاز مشروعات الخدمة الوطنية إلى صندوق ما قبل الطروحات التابع لصندوق مصر السيادي، تمهيدًا لإعادة هيكلتها وطرحها في السوق، وبذلك انتقل الملف من شركات مدنية تقليدية إلى أصول أوسع، ثم وصل اليوم إلى المطارات بوصفها مرافق تشغيلية حساسة.

 

ويخدم الكاتب الاقتصادي وائل جمال هذا المحور من زاوية بيع الأصول تحت ضغط الأزمة، لأنه يركز في كتاباته على أن الحكومة تستخدم الخصخصة والطروحات كأداة لتوفير العملة الصعبة وسداد الالتزامات، لا كخطة تنموية مستقلة، وهذا يفسر تسارع ملف المطارات بالتزامن مع ضغوط صندوق النقد.

 

لذلك لا يمكن فصل قرار طرح 20 مطارًا عن قرض صندوق النقد الدولي البالغ 8 مليارات دولار، لأن الصندوق يربط مراجعات البرنامج بإصلاحات أعمق تشمل تقليص دور الدولة وتوسيع دور القطاع الخاص والتخارج من الأصول، بينما تحاول الحكومة تقديم الملف باعتباره تحديثًا إداريًا لا استجابة لشروط مالية خارجية.

 

وبذلك تتحول المطارات المصرية من مرافق بنتها الدولة بأموال عامة إلى ساحة جديدة لعقود التشغيل والإدارة، في وقت يعاني المواطن من آثار الديون وخفض الإنفاق وارتفاع الرسوم، بينما تواصل الحكومة بيع حق الإدارة تحت مسمى الشراكة، وتترك الأسئلة الأساسية حول السيادة الاقتصادية والعائد العام بلا إجابات منشورة.

 

وتختصر الخلاصة أن الحكومة لا تطرح 20 مطارًا في فراغ، بل تدفع بمرفق سيادي إلى قلب برنامج طروحات متعثر ومشروط دوليًا، وتستند إلى خطاب تحسين الخدمة لإخفاء جوهر القرار، وهو توسيع سيطرة القطاع الخاص على أصول عامة بنتها الدولة بينما يدفع المواطن تكلفة الأزمة ولا يعرف تفاصيل الصفقة.