قفزت فاتورة واردات الغاز الطبيعي في مصر بنسبة 45% خلال أول 4 أشهر من 2026، بعدما تحولت أزمة الإنتاج المحلي إلى عبء مباشر على الموازنة والصناعة والكهرباء.

 

تدفع الحكومة ثمن سنوات من الوعود عن الاكتفاء والتصدير، بينما يدفع المواطن فاتورة أعلى في الوقود والكهرباء والغاز بسبب فجوة إنتاج لم تعالجها الدولة في وقتها.

 

فاتورة الغاز تقفز والحكومة تدفع ثمن العجز

 

في البداية ارتفعت قيمة واردات مصر من الغاز الطبيعي خلال الفترة من يناير إلى أبريل 2026 بنحو 1.1 مليار دولار، لتصل إلى 3.5 مليار دولار، مقابل 2.4 مليار دولار خلال الفترة نفسها من 2025، بحسب مصدر مطلع على ملف الواردات بوزارة البترول.

 

وبعد ذلك ربط المصدر الزيادة الحادة بارتفاع تكلفة الاستيراد والنقل والتأمين مع تقلبات الأسواق العالمية، لكن هذا التفسير لا يعفي الحكومة من مسؤولية إدارة ملف الطاقة، لأن الدولة وصلت إلى لحظة تستورد فيها الغاز بسعر أعلى لتعويض نقص كان يفترض تقليصه مبكرا.

 

ثم زادت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران منذ نهاية فبراير 2026 ضغط الأسعار، إذ ارتفع النفط إلى نحو 118 دولارا للبرميل بعد أن كان قرب 70 دولارا قبل الحرب، فانتقلت التكلفة إلى السوق المحلي عبر رفع أسعار الوقود والكهرباء والغاز لبعض القطاعات الصناعية.

 

وبسبب هذا الارتفاع أصبح الغاز المسال قريبا من 20 دولارا لكل مليون وحدة حرارية، بعدما كان قرب 12 دولارا قبل الحرب، وهو فرق كبير يعمق فاتورة الواردات ويجعل كل شحنة طاقة مستوردة عبئا إضافيا على الصناعة والموازنة وأسعار السلع.

 

وفي هذا السياق قال الخبير الاقتصادي محمد فؤاد إن كل نقص بنحو 100 مليون قدم مكعب من إنتاج الغاز المحلي يخلق تكلفة مباشرة وغير مباشرة على الاقتصاد، وهو تقدير يوضح أن العجز اليومي ليس رقما فنيا بل خسارة تدفعها الدولة من مواردها المحدودة.

 

توقف الغاز الإسرائيلي يكشف هشاشة أمن الطاقة

 

بعد ارتفاع التكلفة حاولت الحكومة خلال الشهرين الأخيرين تأمين احتياجات السوق المحلية من الغاز الطبيعي، خاصة للقطاع الصناعي ومحطات الكهرباء، لكنها فعلت ذلك تحت ضغط انقطاع الغاز الإسرائيلي في بعض الفترات، ما كشف اعتمادا خطرا على مصدر خارجي مرتبط بالحرب والسياسة.

 

وبعد توقف إسرائيل عن إمداد مصر بالغاز في فبراير 2026 على خلفية الحرب في المنطقة، عادت الإمدادات تدريجيا خلال أبريل، لكن هذا التوقف كان كافيا لإظهار هشاشة الخطة المصرية التي روجت طويلا لموقع إقليمي في الطاقة ثم عادت إلى الاستيراد عند أول اضطراب.

 

ثم أكدت إدارة معلومات الطاقة الأمريكية في سبتمبر 2025 أن عجز الغاز الطبيعي في مصر دفعها إلى زيادة الواردات، وأوضحت أن مشكلات تشغيلية وفنية في حقل ظهر خفضت الإنتاج، بينما زاد الطلب المحلي على الغاز خلال السنوات الأخيرة.

 

وفي السياق نفسه قال المهندس مدحت يوسف نائب رئيس هيئة البترول الأسبق إن حقل ظهر لم يتوقف ولا يزال أكبر حقول الغاز في مصر، لكنه أقر بأن الحقل يمر بتراجع نسبي في معدلات الإنتاج، وهو اعتراف ينسف خطاب الوفرة الذي استخدمته الحكومة سابقا.

 

ولذلك أصبح الاعتماد على الغاز الإسرائيلي والغاز المسال المستورد نتيجة مباشرة لفجوة محلية واضحة، لأن الاستهلاك الحالي يتراوح بين 6 و6.1 مليار قدم مكعب يوميا، بينما يبلغ الإنتاج المحلي نحو 4 مليارات قدم مكعب يوميا فقط.

 

الصناعة والكهرباء أمام فجوة إنتاج تتحول إلى أسعار

 

بعد اتساع الفجوة تحتاج مصر إلى استيراد نحو 2.2 مليار قدم مكعب يوميا خلال الشتاء، وترتفع الحاجة إلى نحو 3 مليارات قدم مكعب يوميا في الصيف، لأن استهلاك الكهرباء يزيد مع الحرارة، فتتحول الأزمة من ملف بترولي إلى ضغط يومي على محطات الكهرباء.

 

وبناء على هذه الأرقام لا تستطيع الحكومة الحديث عن أزمة عابرة، لأن الفارق بين الإنتاج والاستهلاك يمثل عجزا مستمرا يحتاج إلى واردات يومية، وهذا العجز يفسر لماذا تتحرك الدولة بين استيراد الغاز ورفع أسعار الطاقة ومحاولة زيادة حصيلة المصانع المصدرة.

 

ثم سمحت الحكومة خلال أبريل 2026 بزيادة تدفقات الغاز الطبيعي لمصانع الأسمدة والبتروكيماويات، مستهدفة زيادة الصادرات ورفع تسعير الطاقة على هذه المصانع، ما يعني أن الدولة تستخدم الغاز المستورد غالي التكلفة لتحقيق عائد دولاري وتعويض جزء من الضغط المالي.

 

وفي هذا الإطار قال الدكتور رمضان أبو العلا أستاذ هندسة البترول إن إنتاجية حقل ظهر تراجعت لأكثر من النصف خلال الفترة الماضية بسبب مشكلات بينها تأخر سداد مستحقات شركة إيني، وهو ما يربط أزمة الطاقة بسوء إدارة مالية لا بتقلبات عالمية فقط.

 

وفي النهاية تكشف قفزة واردات الغاز إلى 3.5 مليار دولار أن الحكومة نقلت ملف الطاقة من وعد بالاكتفاء والتصدير إلى واقع استيراد ورفع أسعار واعتماد على إسرائيل، بينما يبقى المواطن والصناعة والكهرباء أمام فاتورة أكبر صنعتها سياسات رسمية مرتبكة.