شهد قطاع غزة، حدثًا سياسيًا لافتًا تمثل في فتح لجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية أبواب مراكز الاقتراع في مدينة دير البلح وسط القطاع، لإجراء انتخابات محلية تُنظم للمرة الأولى منذ نحو 21 عامًا، مع استمرار التوترات الميدانية وعمليات عسكرية إسرائيلية طالت مناطق مختلفة من القطاع.

 

ويأتي هذا الاستحقاق بعد آخر انتخابات محلية جرت عام 2005، والتي شملت الضفة الغربية وقطاع غزة معًا، قبل أن تتعطل العملية الانتخابية في القطاع بفعل الانقسام السياسي الفلسطيني وتطورات المشهد الداخلي.

 

وقال المدير الإقليمي للجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية في غزة جميل الخالدي، إن تنظيم هذه الانتخابات يمثل سابقة منذ أكثر من عقدين، موضحًا أنها تُجرى في عدد من محافظات الضفة الغربية إلى جانب محافظة دير البلح في قطاع غزة فقط، باعتبارها تجربة جزئية في ظل الظروف السياسية والأمنية المعقدة.

 

وأضاف الخالدي أن اللجنة نجحت خلال الأيام الماضية في تجهيز 9 مراكز اقتراع داخل مدينة دير البلح، تم إنشاؤها في مناطق مفتوحة عبر استخدام كرفانات مخصصة لاستقبال الناخبين، مع توفير ترتيبات لوجستية وأمنية بإشراف جهاز الشرطة التابع لوزارة الداخلية في غزة.

 

وأشار إلى أن اختيار دير البلح جاء باعتبارها المنطقة الأقل تضررًا مقارنة ببقية مناطق القطاع التي تعرضت، وفق وصفه، لدمار واسع خلال السنوات الماضية نتيجة العمليات العسكرية الإسرائيلية.

 

إقبال انتخابي ومطالب شعبية

 

ومع ساعات الصباح الأولى، بدأ المواطنون بالتوافد إلى مراكز الاقتراع للمشاركة في العملية الانتخابية، وسط توقعات بأن يشارك نحو 70 ألف ناخب في مدينة دير البلح.

 

وعبّر عدد من المشاركين عن أملهم في أن تشكل هذه الانتخابات خطوة نحو تحسين الخدمات الأساسية، وإعادة تفعيل الدور المحلي في ظل الظروف الإنسانية الصعبة التي يعيشها القطاع.

 

وقال المواطن محمود أبو سمرة (45 عامًا)، إنه يشارك في الانتخابات من منطلق رغبته في اختيار من يمثل احتياجات السكان على المستوى الخدمي، مضيفًا أن المواطنين ظلوا لسنوات طويلة محرومين من حق اختيار ممثليهم المحليين.

 

كما أعرب عن أمله في أن تمثل هذه الخطوة بداية لمسار أوسع يشمل باقي مدن قطاع غزة، وصولًا إلى انتخابات تشريعية ورئاسية مستقبلًا.

 

تنافس انتخابي بين قوائم متعددة

 

وتشهد الانتخابات المحلية في دير البلح تنافسًا بين أربع قوائم انتخابية، تتوزع انتماءاتها وتوجهاتها السياسية، حيث تدعم حركة فتح إحدى هذه القوائم بشكل مباشر، في حين لم تعلن حركة حماس موقفًا رسميًا من دعم أي قائمة أو تقديم مرشحين.

 

وأكدت المرشحة عن قائمة "نهضة دير البلح" فاتن حرب، أن هذه الانتخابات تعكس أهمية المسار الديمقراطي في حياة الفلسطينيين، مشيرة إلى أنها تمثل خطوة يمكن أن تعزز وحدة النظام السياسي بين الضفة الغربية وقطاع غزة.

 

خلفية سياسية وإدارية

 

وتُعد حركة حماس القوة المسيطرة على إدارة قطاع غزة منذ عام 2007، حيث قامت خلال تلك الفترة بتعيين المجالس البلدية والمحلية مرتين، الأولى عام 2007 والثانية عام 2023، وذلك قبل اندلاع الحرب الإسرائيلية الأخيرة في أكتوبر 2023 بعدة أشهر.

 

ويأتي إجراء الانتخابات الحالية في ظل واقع سياسي معقد وانقسام مستمر بين القوى الفلسطينية، ما يجعل من هذه التجربة محدودة النطاق لكنها ذات دلالة سياسية ورمزية.

 

تصعيد ميداني متزامن مع الانتخابات

 

بالتوازي مع العملية الانتخابية، شهد القطاع تصعيدًا عسكريًا جديدًا، حيث استهدف جيش الاحتلال الإسرائيلي، مركبة تابعة للشرطة في خان يونس جنوب القطاع، عبر صاروخ أطلقته طائرة استطلاع، ما أدى إلى استشهاد 8 أشخاص، بينهم 4 من منتسبي وزارة الداخلية.

 

ووفق شهود عيان، فإن الاستهداف وقع في منطقة المواصي غرب خان يونس أثناء مرور المركبة في شارع مزدحم، دون أي تحذير مسبق، ما أدى إلى وقوع عدد كبير من الضحايا.

 

وأكد مصدر طبي في مجمع ناصر الطبي وصول جثامين الشهداء وعدد من المصابين جراء الهجوم، مشيرًا إلى إصابة أكثر من 10 آخرين.

 

وفي حادث منفصل، استشهد عنصران من وزارة الداخلية الفلسطينية، وأصيب خمسة آخرون، إثر قصف إسرائيلي استهدف دورية شرطة شمال غرب مدينة غزة، بحسب مصادر طبية في مستشفى الشفاء.

 

إدانة فلسطينية واستغاثة دولية

 

وأدانت وزارة الداخلية والأمن الوطني في غزة استمرار استهداف قوات الشرطة والمواطنين، معتبرة أن هذه الهجمات تمثل انتهاكًا خطيرًا بحق الأجهزة المدنية المكلفة بخدمة السكان.

 

وأكدت الوزارة في بيان لها أن عناصر الشرطة يقومون بواجباتهم الإنسانية والمدنية، محملة الاحتلال الإسرائيلي المسؤولية الكاملة عن استهداف مقراتها ومنتسبيها.

 

كما دعت الوزارة الوسطاء الدوليين والجهات الضامنة لوقف إطلاق النار إلى التدخل العاجل لوقف التصعيد، مطالبة المؤسسات الدولية، وعلى رأسها اللجنة الدولية للصليب الأحمر، باتخاذ موقف واضح إزاء ما وصفته بالانتهاكات المستمرة.