قفز سعر طن الأسمدة في مصر من 23 ألف جنيه مطلع أبريل إلى 38 ألف جنيه في الأسبوع الأخير، بعد 3 موجات زيادة متتالية دفعت الفلاحين إلى مواجهة تكلفة إنتاج أعلى قبل موسم زراعي شديد الحساسية.
تكشف الزيادة الثالثة منذ بداية أبريل أن سوق الأسمدة لم يعد أزمة موسمية، بل نتيجة مباشرة لسياسات حكومية تترك الإنتاج الزراعي تحت ضغط الطاقة والأسعار العالمية.
قفزة من 23 ألفًا إلى 38 ألفًا في شهر واحد
بدأت موجة ارتفاع أسعار الأسمدة في مصر مطلع أبريل من مستوى 23 ألف جنيه للطن، ثم اقترب السعر من 30 ألف جنيه، وبعد ذلك سجل 34 ألف جنيه الأسبوع الماضي، قبل أن يصل خلال الأسبوع الأخير إلى 38 ألف جنيه وفق محمد الخشن رئيس جمعية موزعي الأسمدة.
وبحسب الخشن، جاءت الزيادة الأخيرة بعد صعود متتابع في سعر طن الأسمدة الحرة، حيث وثقت المنصة وصول السعر إلى 34 ألف جنيه قبل 6 أيام فقط، وهو ما يؤكد أن السوق تحركت بسرعة تفوق قدرة الفلاحين على ترتيب تكاليف الموسم الزراعي.
ثم ربط الخشن الزيادة الجديدة بارتفاع أسعار الغاز محليا بسبب الحرب الأمريكية الإيرانية، لأن مصانع الأسمدة تعتمد على الغاز الطبيعي كمدخل أساسي في إنتاج اليوريا، ولذلك انتقل اضطراب الطاقة مباشرة إلى سعر طن السماد داخل السوق المصرية.
كما أوضح الخشن أن سعر اليوريا عالميا ارتفع من نحو 450 دولارا إلى 830 دولارا خلال شهر واحد، وهو ارتفاع يضع السوق المحلية أمام ضغط مزدوج، لأن الشركات تنظر إلى السعر العالمي بينما يشتري الفلاح المصري مدخلات الإنتاج بالجنيه.
وبالتزامن مع ذلك، تحدد تصريحات الخشن 3 عوامل تتحكم في السوق المحلية، وهي تطورات الملاحة في مضيق هرمز، وتوافر الغاز للمصانع، واستقرار حركة الشحن في البحر الأحمر، وهي عوامل تركتها الحكومة تضغط على الفلاح من دون حماية سعرية فعالة.
لذلك لا تبدو الزيادة الحالية مجرد انعكاس خارجي، لأن الحكومة تملك أدوات توزيع الغاز وتسعير الطاقة ومراقبة السوق، ومع ذلك تحمل المزارعين نتيجة اضطرابات لم يصنعوها، بينما تظل كلفة السماد تتحرك أسرع من أسعار المحاصيل.
الغاز للمصانع يزيد والصادرات تتقدم على السوق المحلي
في المقابل، سمحت الحكومة خلال أبريل بزيادة تدفقات الغاز الطبيعي لمصانع الأسمدة والبتروكيماويات بنسبة 17% مقارنة بشهر مارس، وجرى تبرير الخطوة بهدف تعزيز الصادرات ورفع تسعير الطاقة، وهو تبرير يكشف أولوية الدولة في التعامل مع الأزمة.
وبحسب مصدر مطلع على ملف توزيع الغاز في الشركة القابضة للغازات الطبيعية إيجاس، ارتفعت التدفقات من 620 مليون قدم مكعب يوميا في مارس إلى 730 مليون قدم مكعب يوميا حاليا، مع تحسن نسبي في واردات وإنتاج الغاز.
ثم نقلت المنصة عن المصدر نفسه أن الزيادة جاءت تزامنا مع هدوء التوترات في المنطقة وانعكاسها على تعافي واردات وإنتاج الغاز في مصر نسبيا، لكن هذا التحسن لم يمنع استمرار صعود أسعار الأسمدة داخل السوق الحرة.
وبناء على هذه الأرقام، تحتاج مصانع الأسمدة ما بين 700 و750 مليون قدم مكعب غاز يوميا للالتزام بتعاقداتها التصديرية، وهو ما يضع احتياجات التصدير في مركز السياسة الحكومية بينما يواجه الفلاح المحلي سعرا جديدا كل أسبوع.
ويعزز هذا الاتجاه أن تعاقدات التصدير زادت خلال العام الجاري بنسبة 12% عن العام الماضي، وسجلت قيمتها 2 مليار و803 ملايين دولار، وهو رقم يوضح أن الحكومة تلاحق حصيلة الدولار بينما تترك تكلفة الإنتاج الزراعي ترتفع داخل القرى.
وفي هذا السياق، قال نادر نور الدين خبير الموارد المائية والزراعية وعضو الجمعية العمومية لمنظمة الأغذية والزراعة إن أزمة الطاقة تنعكس على تصنيع الأسمدة وتشغيل الزراعة والنقل والتخزين، وإن أي اضطراب في مصادر الطاقة ينعكس مباشرة على كلفة الغذاء.
لذلك تؤكد تصريحات نور الدين أن الحكومة لا تستطيع فصل الغاز عن الغذاء، لأن زيادة الغاز للمصانع من أجل التصدير لا تعني حماية الأمن الغذائي، إذا بقي الفلاح يدفع ثمنا أعلى للسماد ويدخل الموسم الزراعي بتكلفة غير مستقرة.
الفلاح يدفع الفاتورة والحكومة تحمي حصيلة الدولار
بعد ذلك، تظهر أزمة الفلاحين في الفارق بين سعر السماد في السوق الحرة وقدرة المزارع على شراء احتياجاته، لأن طن الأسمدة عند 38 ألف جنيه يرفع تكلفة الزراعة مباشرة، ويضغط على محاصيل الصيف التي تحتاج إلى تسميد منتظم.
كما قال حسين أبو صدام نقيب الفلاحين إن تأثير ارتفاع أسعار الأسمدة سيظهر مع الموسم الزراعي الصيفي، وأكد أن الفارق بين السوق الحرة والجمعيات الزراعية يضغط على المزارعين، وهو تحذير يرتبط مباشرة بالزيادة الأخيرة في سعر الطن.
وبسبب هذا الفارق، يصبح الحديث الحكومي عن توافر الأسمدة المدعمة غير كاف، لأن السوق الحرة تتحكم في جانب مهم من احتياجات المزارعين، كما أن أي نقص في الجمعيات يدفع الفلاح إلى شراء السماد بالسعر المرتفع قبل فوات توقيت الزراعة.
ثم تتسع الأزمة عندما تتحول الأسمدة من مدخل إنتاج إلى مصدر تضخم غذائي، لأن المزارع الذي يشتري السماد بسعر أعلى يضيف هذه الكلفة إلى المحصول، أو يقلل استخدام السماد فينخفض الإنتاج، وفي الحالتين يدفع المستهلك ثمن فشل الإدارة الحكومية.
وتؤكد التجارب السابقة أن ملف الغاز يضغط فعليا على مصانع الأسمدة، فقد تحدثت مصادر حكومية في 2024 عن خفض أو وقف إمدادات الغاز لبعض المصانع، وظهرت مخاوف وقتها من تأثير ذلك على الإنتاج المحلي للأسمدة.
وبالتالي، لا تستطيع الحكومة أن تقدم ارتفاع الأسعار باعتباره قدرا خارجيا، لأنها أدارت ملف الغاز والتصدير والتوزيع بطريقة جعلت السوق المحلية الحلقة الأضعف، بينما حصلت المصانع على غاز إضافي لحماية التعاقدات التصديرية وجلب الدولار.
وفي المحصلة، تكشف قفزة أسعار الأسمدة في مصر من 23 ألفا إلى 38 ألف جنيه للطن خلال أبريل فشلا حكوميا في ضبط سوق حيوي، لأن الدولة سمحت للغاز والتصدير والملاحة الدولية بتحديد تكلفة الزراعة، وتركت الفلاح يواجه السعر وحده.
وتضع الأزمة الحكومة أمام سؤال مباشر، فإذا كانت مصانع الأسمدة تحصل على تدفقات غاز أكبر وتزيد صادراتها بقيمة مليارية، فلماذا لا يحصل الفلاح على سماد بسعر مستقر، ولماذا تتحول كل زيادة في الطاقة والدولار إلى عبء جديد على الزراعة والغذاء.

