شهد البرلمان الهولندي نقاشا سياسيا حادا حول علاقة هولندا والاتحاد الأوروبي بإسرائيل بعد تصاعد الانتهاكات في غزة والضفة الغربية ومراكز الاحتجاز، وأظهرت التصويتات الأخيرة أن الغطاء الأوروبي التقليدي لإسرائيل يتعرض لضغط متزايد من داخل المؤسسات المنتخبة لا من الشارع وحده.

 

تضع القرارات الهولندية الحكومة أمام اختبار مباشر، لأن مجلس النواب لم يكتف بخطاب القلق المعتاد، بل دعم تعليق البند التجاري من اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، وطالب بفتح مراكز الاحتجاز أمام الصليب الأحمر، ودراسة إجلاء أطفال غزة، وحماية المحكمة الجنائية الدولية من العقوبات الأمريكية.

 

تعليق التجارة مع إسرائيل يضع الحكومة الهولندية تحت ضغط البرلمان

 

أيد مجلس النواب الهولندي تعليق البند التجاري من اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل على خلفية الانتهاكات المستمرة لحقوق الإنسان، ويأتي هذا الموقف بعد ضغط سياسي وحقوقي متزايد على الحكومة الهولندية كي تنتقل من بيانات القلق إلى إجراءات تمس العلاقة الاقتصادية مع الاحتلال.

 

وبذلك يدخل البرلمان الهولندي في اتجاه أوروبي أوسع يطالب بمراجعة التعامل مع إسرائيل، إذ ناقش وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في أبريل 2026 مقترحات لتعليق أجزاء من اتفاق الشراكة، لكن الانقسام بين الدول الأعضاء عطل اتخاذ قرار ملزم رغم ضغط إسبانيا وأيرلندا وسلوفينيا.

 

وفي هذا السياق قالت منظمة العفو الدولية إن فشل الاتحاد الأوروبي في تعليق اتفاق الشراكة مع إسرائيل يمثل استخفافا بحياة المدنيين، وأكدت إريكا جيفارا روساس من المنظمة أن إسرائيل واصلت تجاوز كل الخطوط الأوروبية بعد ثبوت انتهاكات مرتبطة ببند حقوق الإنسان في الاتفاق.

 

وبناء على ذلك يحمل التصويت الهولندي معنى سياسيا أكبر من حجمه المحلي، لأن البرلمان يضغط على حكومة بلاده كي تنضم إلى كتلة أوروبية أكثر حزما، بينما تواصل حكومات أخرى حماية العلاقة التجارية مع إسرائيل رغم الحرب على غزة وتصاعد عنف المستوطنين في الضفة.

 

كما يكشف هذا التحرك أن إسرائيل لم تعد قادرة على الاعتماد على الصمت الأوروبي نفسه، لأن نوابا من أحزاب مختلفة بدأوا يربطون التجارة بحقوق الإنسان، ويرفضون بقاء الامتيازات الاقتصادية قائمة بينما تستمر الانتهاكات ضد الفلسطينيين داخل غزة والضفة ومراكز الاحتجاز.

 

الأسرى وأطفال غزة في قلب التصويتات الإنسانية

 

في ملف الأسرى صوتت أغلبية كبيرة بلغت 111 صوتا من أصل 150 لصالح اقتراح تقدمت به النائبة كريستين توينسن، ويطالب الاقتراح الحكومة بضمان وصول اللجنة الدولية للصليب الأحمر دون عوائق إلى جميع مراكز الاحتجاز داخل إسرائيل التي تحتجز فلسطينيين.

 

وبعد هذا التصويت أصبح ملف المعتقلين الفلسطينيين حاضرا داخل البرلمان الهولندي باعتباره قضية رقابة إنسانية لا ملفا أمنيا إسرائيليا مغلقا، لأن منع الصليب الأحمر من الوصول إلى أماكن الاحتجاز يفتح الباب أمام مخاوف التعذيب وسوء المعاملة والإخفاء عن الرقابة الدولية.

 

وفي مسار مرتبط بغزة اعتمد البرلمان اقتراحا للنائبة إيلين فيدر يدعو إلى تحقيق إمكانية استئناف الإجلاء الطبي للأطفال من قطاع غزة إلى هولندا، وحظي الاقتراح بدعم أحزاب الائتلاف الحكومي مع حصر القرار الحالي في دراسة الإمكانيات لا بدء الإجلاء الفوري.

 

وتعزز بيانات منظمة الصحة العالمية خطورة هذا الملف، إذ قالت المنظمة إن أكثر من 18,500 مريض في غزة بينهم نحو 4,000 طفل ما زالوا بحاجة إلى إجلاء طبي عاجل، بعدما دمرت الحرب القدرة الصحية المحلية وأعاقت القيود الإسرائيلية حركة المرضى إلى الخارج.

 

ومن هنا يتضح أن الاقتراح الهولندي لا يقدم منة سياسية لغزة، بل يتعامل مع حاجة طبية طارئة صنعتها الحرب والحصار وتدمير المستشفيات، ولذلك يبقى الاكتفاء بدراسة الإمكانيات خطوة محدودة أمام أعداد المرضى والأطفال الذين ينتظرون العلاج خارج القطاع.

 

كما قال مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك في أبريل 2026 إن الفلسطينيين في غزة ما زالوا غير آمنين بعد 6 أشهر من إعلان وقف إطلاق النار، وأكد أن الهجمات الإسرائيلية تتواصل بصورة روتينية بما يجعل الحماية الإنسانية مطلبا عاجلا لا مؤجلا.

 

حماية المحكمة الجنائية وعقوبات المستوطنين توسعان المواجهة مع الاحتلال

 

في البعد القانوني أقر البرلمان اقتراحا قدمته النائبة سارة دوبه بشأن مواصلة العمل لتفعيل قانون الحماية من آثار العقوبات الأجنبية داخل الاتحاد الأوروبي، وذلك لحماية قضاة ومدعي المحكمة الجنائية الدولية من العقوبات الخارجية التي تستهدف عمل المحكمة ومقرها في هولندا.

 

ويأتي هذا الاقتراح بعد عقوبات أمريكية استهدفت المحكمة الجنائية الدولية وموظفين فيها بسبب ملاحقات مرتبطة بإسرائيل، وقد وثقت وثائق البرلمان الهولندي مطالبات سابقة باستخدام آلية الحماية الأوروبية للدفاع عن استقلال المحكمة في مواجهة العقوبات الأجنبية.

 

وبذلك لا يدافع البرلمان الهولندي عن مؤسسة قانونية مجردة، بل يدافع عن موقع هولندا نفسه باعتبارها دولة مقر المحكمة، لأن إضعاف المحكمة تحت ضغط العقوبات الأمريكية يعني إضعاف قدرة القانون الدولي على ملاحقة جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.

 

وفي ملف الضفة الغربية حظي اقتراح النائب ستيفان فان بارله بتأييد أكثر من ثلثي أعضاء مجلس النواب، ويطالب الاقتراح الحكومة ببذل محاولات جديدة لفرض عقوبات إضافية على مستوطنين إسرائيليين متورطين في العنف والعمل داخل الاتحاد الأوروبي لتأمين أغلبية مؤيدة.

 

ويكتسب هذا الاقتراح أهمية خاصة بعد تصاعد عنف المستوطنين منذ 7 أكتوبر 2023، إذ ناقش الاتحاد الأوروبي في أبريل 2026 عقوبات مرتبطة بالمستوطنين والعلاقة التجارية مع إسرائيل، وقالت دول أوروبية إن العنف في الضفة بلغ مستويات خطيرة تستوجب إجراءات لا بيانات.

 

كما حذر فولكر تورك في مارس 2026 من تشريعات إسرائيلية تخص عقوبة الإعدام ضد الفلسطينيين، واعتبر أن هذه المقترحات تخالف القانون الدولي على مستويات عدة، بما يعزز مخاوف البرلمان الهولندي من تحول الانتهاكات إلى سياسة قانونية ومؤسسية داخل إسرائيل.

 

وفي الخلاصة تفتح تصويتات البرلمان الهولندي مسارا سياسيا يضيق مساحة الإفلات الإسرائيلي من الضغط الأوروبي، فتعليق التجارة ووصول الصليب الأحمر وإجلاء أطفال غزة وحماية المحكمة الجنائية وعقوبات المستوطنين ملفات متصلة، وكلها تقول إن استمرار العلاقة الطبيعية مع الاحتلال صار مكلفا أخلاقيا وقانونيا.