قالت حركة حماس إن قصف جيش الاحتلال سيارة مدنية ظهر الخميس 23 أبريل في مخيم المغازي، وما سبقه من مجزرة ليلية أوقعت 5 شهداء بينهم 3 أطفال في شمال القطاع، يكشف أن الاحتلال لا يتعامل مع وقف إطلاق النار بوصفه التزامًا ملزمًا، بل بوصفه غطاءً لاستمرار القتل اليومي.
هذا التوصيف لم يعد مجرد موقف سياسي تصدره الحركة، لأن الوقائع الميدانية نفسها تؤكده. وكالة رويترز نقلت، في اليوم نفسه، مقتل 4 فلسطينيين على الأقل في غارات إسرائيلية جديدة، بينهم 3 في المغازي وشهيد في خان يونس، بينما شيع أهالي غزة 5 ضحايا آخرين من بينهم 3 أطفال قتلوا في ضربة سابقة على شمال القطاع. بذلك يتأكد أن الحديث عن تهدئة قائمة لا يستند إلى حماية فعلية للمدنيين، بل إلى صيغة رخوة بلا آلية ردع ولا مساءلة ولا حتى حد أدنى من الإلزام على القوة القائمة بالاحتلال.
الصورة الأوسع تفضح أكثر من مجرد خرق ميداني متكرر، لأنها تكشف بنية سياسية كاملة تقوم على الإفلات من العقاب. المفوض السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك قال في 10 أبريل إن الفلسطينيين في غزة ما زالوا غير آمنين بعد 6 أشهر من إعلان وقف إطلاق النار، وإن نمط القتل المتواصل يعكس استخفافًا مستمرًا بالحياة الفلسطينية تغذيه حصانة واسعة.
وفي الفترة بين 12 و18 أبريل، أبلغت الأمم المتحدة عن ارتفاع حوادث إطلاق النار والقصف والضربات بنسبة 46% مقارنة بالأسبوع السابق، وهو أعلى مستوى أسبوعي منذ بدء وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر 2025. ومع هذا التصاعد، وثق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية استمرار القيود على المساعدات وتراجع تدفقها بنسبة 37% بين أول فترتين من 3 أشهر بعد الاتفاق، بما يربط بين القصف الميداني وخنق شروط البقاء اليومي داخل القطاع.
القتل اليومي ينسف وقف إطلاق النار ويحوّل الاتفاق إلى نص بلا حماية
في ظهر الخميس 23 أبريل، استهدفت غارة إسرائيلية سيارة مدنية على شارع صلاح الدين شمال مخيم المغازي، ما أدى إلى استشهاد 3 فلسطينيين وإصابة آخرين، بينما استشهد في خان يونس الشاب يحيى أبو شلهوب في قصف بمنطقة المسلخ جنوبي المدينة. هذه الوقائع جاءت بعد ساعات من تشييع 5 شهداء بينهم 3 أطفال قتلوا في ضربة إسرائيلية على شمال غزة، ما يثبت أن مسار الدم لم يتوقف يومًا داخل القطاع.
ثم تؤكد الأرقام الأممية أن ما جرى الخميس ليس حادثًا معزولًا، لأن رويترز نقلت أن أكثر من 780 فلسطينيًا و4 جنود إسرائيليين قتلوا منذ سريان وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، بينما سجل مكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة 738 قتيلًا فلسطينيًا حتى 10 أبريل. هذا الفارق العددي يعكس التحديث الزمني للمحصلة، لكنه لا يغير الحقيقة الأساسية، وهي أن القتل استمر طوال أشهر الهدنة المعلنة.
وفي هذا السياق، يشير الخبير الأممي فرانسيسكا ألبانيزي، المقررة الخاصة المعنية بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، إلى أن الجرائم الجارية لا تنفصل عن بنية أوسع من العقاب الجماعي والتواطؤ الدولي، وقد ورد اسمها ضمن الخبراء الذين طالبوا في أبريل 2026 بتحرك دولي ومساءلة حقيقية، مؤكدين أن استهداف أماكن إيواء النازحين جزء من سياسة تجعل الحياة مستحيلة للفلسطينيين على أرضهم. هذا التوصيف يطابق ما يحدث حين تتحول السيارة المدنية والشارع والمأوى إلى أهداف مفتوحة.
استهداف النازحين وتقييد المساعدات يدفعان غزة من الإغاثة إلى الاختناق
بعد استمرار الضربات على التجمعات المدنية، جاءت إفادات الأمم المتحدة لتوضح أن الخطر لا يقف عند حدود القصف المباشر، بل يمتد إلى بيئة معيشية يجري تخريبها بصورة منهجية. مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية قال إن الظروف المعيشية في غزة ما زالت قاسية، وإن معظم الأسر ما زالت نازحة ومعتمدة على المساعدات، فيما تتواصل الغارات والقصف وإطلاق النار في المناطق السكنية مع سقوط ضحايا مدنيين وأضرار تطال المرافق الحيوية.
وبعد ذلك مباشرة، تظهر القيود على المساعدات بوصفها جزءًا من مسار القتل نفسه لا ملفًا منفصلًا عنه. التقرير الأممي الصادر في 17 أبريل سجل تراجع تدفقات المساعدات الإنسانية بنسبة 37% بين أول فترتين من 3 أشهر بعد اتفاق 10 أكتوبر 2025، وربط ذلك بانخفاض عمليات العبور، وإرجاع الشحنات، وأعطال المسح، وعراقيل أخرى. كذلك وثق التقرير انتشار مخاطر بيئية وصحية داخل مواقع النزوح، مع ظهور القوارض والآفات في 81% من المواقع التي جرى تقييمها.
وفي قلب هذا المشهد، يبرز اسم مايكل فخري، المقرر الخاص المعني بالحق في الغذاء، ضمن الخبراء الذين حذروا من أن تعطيل الإغاثة ومنع المنظمات المنقذة للحياة يجعل الظروف غير قابلة للاحتمال على السكان الذين نجوا من القصف. كما قالت مجموعة الخبراء نفسها في يناير 2026 إن حظر جمعيات إغاثية وعرقلة العمل الإنساني يدفع الفلسطينيين إلى حرمان مزمن يهدد بقاءهم الجماعي. لذلك لا يمكن فصل نقص الغذاء والماء والدواء عن الضربات الجوية، لأنهما يعملان معًا داخل سياسة واحدة.
الإفلات من العقاب يرسخ التهجير ويمنح الاحتلال ترخيصًا مفتوحًا للجريمة
ومع تراكم هذه الوقائع، يصبح الفشل الدولي عنصرًا مباشرًا في استمرارها لا مجرد خلفية صامتة لها. فولكر تورك قال بوضوح إن نمط القتل المتواصل يعكس تجاهلًا للحياة الفلسطينية تمكينه الحصانة الواسعة، ودعا المجتمع الدولي إلى الانتقال من الأقوال إلى الأفعال. هذه الصياغة الأممية لا تترك مجالًا للالتباس، لأن المشكلة لم تعد نقص المعلومات، بل غياب الإرادة السياسية لوقف الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها.
ثم جاءت مجموعة من خبراء الأمم المتحدة في 13 أبريل لتقول إن استهداف مناطق معروفة بأنها تؤوي نازحين يمثل خرقًا جسيمًا للقانون الدولي الإنساني، وإن تكرار التهجير والهجوم المقصود يخدم هدفًا نهائيًا هو جعل حياة الفلسطينيين غير محتملة ودفعهم إلى الخروج من أرضهم. كما أضاف الخبراء أن تدمير 92% من المساكن المتضررة أو المدمرة في غزة يعني أن النزوح المتكرر لم يعد نتيجة جانبية للحرب، بل نتيجة مباشرة لسياسة ثابتة.
وفي هذا الإطار، يكتسب رأي بالاكريشنان راجاجوبال، المقرر الخاص المعني بالحق في السكن، وزنًا توثيقيًا مهمًا، لأن تحليله الذي استند إليه خبراء الأمم المتحدة في مارس 2026 خلص إلى أن التدمير المنهجي والواسع للمساكن والبنية المدنية في غزة، أو ما وصفوه بتدمير البيوت على نطاق شامل، يبلغ عتبة جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية. وعندما يقترن هذا التوصيف القانوني بقصف الخميس في المغازي وخان يونس، فإن المعنى يصبح محددًا ومباشرًا، وهو أن القتل اليومي يجري داخل مشروع أوسع لتفريغ الأرض وتحطيم شروط البقاء.
لهذا فإن خلاصة المشهد في غزة يوم 23 أبريل لا تحتمل لغة مخففة ولا صياغة دبلوماسية باردة. الاحتلال يواصل القصف على سيارات مدنية ومناطق نزوح وأحياء سكنية، ويقيد المساعدات، ويستفيد من غياب آلية تنفيذ حقيقية لوقف إطلاق النار، بينما يكتفي المجتمع الدولي ببيانات لا توقف صاروخًا ولا تفتح معبرًا ولا تحمي طفلًا. وما دام هذا العجز قائمًا، فإن كل يوم جديد في غزة سيحمل الدليل نفسه، وهو أن الاتفاق بلا ردع ليس تهدئة، وأن الصمت الدولي لم يعد تقصيرًا سياسيًا فقط، بل صار شريكًا فعليًا في استمرار الجريمة.

