كشفت الحكومة مجددًا أن مسار بيع الأصول لم يعد إجراءً استثنائيًا بقدر ما صار سياسة ثابتة تُدار على وقع التزامات ثقيلة مع صندوق النقد الدولي، بعدما اتجهت إلى طرح حصة تصل إلى 20% من شركة “مصر لتأمينات الحياة” في البورصة خلال أواخر يونيو أو أوائل يوليو، مع حديث رسمي عن حصيلة متوقعة تقارب أربعة عشر مليار جنيه.
الطرح ليس قرارًا ماليًا فقط
وأوضح المسار الرسمي أن الشركة جرى قيد أسهمها قيدًا مؤقتًا في الثالث من مارس برأسمال مصدر خمسة مليارات جنيه موزع على خمسمئة مليون سهم، بما يعني أن الحكومة لم تبدأ من مناقشة جدوى التخارج أو أثره الاجتماعي، بل من تجهيز الأداة التنفيذية نفسها، أي القيد ثم اختيار مدير الطرح ثم التسويق، وكأن البيع بات هو الأصل لا الخيار.
ولفتت التصريحات الرسمية إلى أن “مصر لتأمينات الحياة” ليست شركة هامشية يمكن تمرير بيعها بهدوء، بل هي أكبر شركة تأمين على الحياة في السوق المصرية، وتستحوذ على نحو اثنين وعشرين بالمئة من سوق تأمين الأشخاص، فيما بلغت حقوق ملكية المساهمين نحو اثنين وأربعين مليار جنيه في سبتمبر2025، وهو ما يطرح سؤالًا مباشرًا عن سبب التفريط في أصل قوي بدل إصلاح السياسة المالية التي أوصلت الدولة إلى هذا المأزق.
ويبين رأي إبراهيم النمر، رئيس قسم التحليل الفني بشركة النعيم القابضة للاستثمارات، أن قوة الشركة وضعف تمثيل قطاع تأمينات الحياة في البورصة قد يدفعان المستثمرين إلى الإقبال على السهم، لكن هذا التفسير السوقي لا يبدد المخاوف السياسية والاقتصادية، لأن جاذبية الأصل للمستثمر لا تعني بالضرورة عدالة قرار بيعه، بل قد تعني ببساطة أن الدولة تعرض ما هو رابح لأنها عاجزة عن معالجة اختلالاتها بوسائل أخرى.
الضغط الخارجي هو المحرك الفعلي
وفي ظل مراجعات صندوق النقد، تبدو الصورة أوضح من الخطاب الحكومي المعلن، إذ أكد الصندوق في بيانه الصادر في السابع والعشرين من فبراير2026 أن التقدم في الإصلاحات الهيكلية ظل غير متوازن، وأن من الضروري التعجيل بتقليص البصمة الاقتصادية للدولة وتسريع التخارج من الأصول، بعدما جاءت الوتيرة أبطأ من المتوقع، وهو نص يكشف أن الطرح ليس تفصيلًا استثماريًا بل استجابة مباشرة لشروط المقرض الدولي.
وأشار هذا السياق نفسه إلى أن الصندوق أنهى المراجعتين الخامسة والسادسة وأتاح سحبًا جديدًا يناهز مليارين وثلاثمئة مليون دولار، بينما أوضح أيضًا أن أحد أسباب التعثر السابق كان غياب إيرادات التخارج المتوقعة من الأصول المملوكة للدولة، ما يعني أن بيع الشركات لم يعد مجرد بند في برنامج اقتصادي، بل صار موردًا مطلوبًا لسد فجوات التمويل وتمرير المراجعات والحفاظ على تدفق الشرائح. وفي موازاة ذلك، كشف الصندوق في وثائق المراجعة أن مصر تستهدف إتمام أربعة طروحات قبل نهاية البرنامج الحالي في ديسمبر 2026 بعائدات تُقدَّر بنحو مليار ونصف المليار دولار، مع توجيه نصف هذه الحصيلة لخفض الدين، وهو ما يفضح جوهر المسألة، لأن الدولة لا تعيد هيكلة ملكيتها وفق خطة تنموية معلنة، بل تبيع تحت ضغط خدمة الدين واستحقاقات الاتفاق الخارجي.
سلسلة أوسع تمتد إلى بنك القاهرة وشركات أخرى
وأكدت الحكومة أن الملف لا يتوقف عند “مصر لتأمينات الحياة”، بل يمتد إلى “بنك القاهرة” أيضًا، مع اتجاه لطرحه في النصف الثاني من 2026، بعد سنوات من تعثر محاولات بيعه أو طرحه بسبب خلافات التقييم، وهو ما يوضح أن السلطة عادت إلى السوق ليس لأنها حسمت سؤال المصلحة العامة، بل لأنها مطالبة بإظهار تقدم ملموس في برنامج الطروحات أيًا كانت الاعتراضات.
وفي هذا الإطار، قال هاشم السيد، الرئيس التنفيذي لشركة أودن للاستثمارات المالية، إن توقيت طرح بنك القاهرة يتوقف على قرار بنك مصر والبنك المركزي، بينما رأت حنان رمسيس، عضو مجلس إدارة شركة الحرية لتداول الأوراق المالية، أن نجاح طرح “مصر لتأمينات الحياة” يتطلب تسعيرًا مناسبًا ومزايا تنافسية واضحة وصندوقًا لاستقرار السعر، وهي آراء تؤكد أن حتى المؤيدين للطرح ينشغلون بشروط البيع الناجح، لا بجدوى بيع الأصل نفسه. وأشارت التطورات الأخيرة إلى أن الحكومة أنشأت وحدة للشركات المملوكة للدولة وبدأت عملها مطلع 2026 لحصر الأصول وتنظيمها، كما قيدت مؤقتًا ست شركات كانت مملوكة سابقًا لوزارة قطاع الأعمال العام، من بينها “النهضة للصناعات” و“النصر للتعدين” و“الإسكندرية للحراريات”، بما يكشف أن ما يجري ليس صفقة منفردة، بل موجة أوسع لإعادة تدوير الأصول العامة داخل برنامج بيع ممتد.
الخلاصة: حصيلة عاجلة وكلفة ممتدة
ويرى المتابع لهذا المسار أن الحكومة تكرر الوصفة نفسها كلما ضاقت السيولة واشتدت شروط المقرضين، فتبيع أصلًا رابحًا لتسد فجوة آنية، ثم تعود بعد أشهر إلى أصل آخر لأن سبب الأزمة لم يُمس أصلًا، فلا إصلاح ضريبي جاد، ولا تقليص حقيقي للهدر، ولا مراجعة لأولويات الإنفاق. وهنا تصبح البورصة مجرد ممر منظم لنقل الملكية، لا أداة تنمية عادلة أو توسيعًا حقيقيًا للقاعدة الإنتاجية.
وأخيرًا، فإن طرح “مصر لتأمينات الحياة” يمكن أن يجمع أموالًا سريعة ويمنح الحكومة شهادة مؤقتة بالالتزام أمام صندوق النقد، لكنه يترك سؤالًا سياسيًا واقتصاديًا أكثر خطورة: ماذا يبقى للدولة حين تتحول الأصول الرابحة نفسها إلى وسيلة لسداد أثمان السياسات الفاشلة. عند هذه النقطة لا يعود الحديث عن إصلاح أو كفاءة، بل عن بيع منظم للقدرة العامة تحت لافتة إنقاذ قصير الأجل، فيما يدفع المجتمع الثمن على المدى الأطول.

