تفتح أزمة القروض المتعثرة في مصر ملفا شديد الحساسية داخل القطاع المصرفي، بعدما خرجت إلى العلن أرقام كبيرة تخص مديونيات تراكمت على كبار المقترضين عبر سنوات، في وقت يواجه فيه صغار المستثمرين تشددا لافتا في الحصول على التمويل.

 

وتحوّل الجدل من حدود التعثر الفردي إلى سؤال أوسع يتعلق بكيفية منح هذا الحجم من التسهيلات الائتمانية، ومن سمح بإعادة تدويرها وجدولتها مرارا، ومن يملك اليوم تفسير اتساع الفجوة بين الخطاب الرسمي عن سلامة الجهاز المصرفي وبين الوقائع التي كشفتها ملفات رجال أعمال بارزين.

 

كما زاد الجدل مع تأكيد البنك المركزي نفسه، في بيانات رسمية صدرت مطلع أبريل 2026، أن البنوك تحصل على الضمانات الكافية وتكوّن المخصصات اللازمة وتحافظ على أموال المودعين، وهو دفاع رسمي لم يوقف التساؤلات، بل نقلها إلى مستوى أدق يتعلق بكفاءة الرقابة السابقة لا بمجرد سلامة الإجراءات الورقية اللاحقة.

 

تكشف الوقائع التي ظهرت تباعا منذ 1 أبريل 2026 أن اسم رجل الأعمال محمد الخشن، مالك مجموعة إيفرجرو للأسمدة، تصدر المشهد بعد تداول مديونية قيل إنها بلغت نحو 40 مليار جنيه لصالح ما يقرب من 35 إلى 36 بنكا. ثم جاء رد مقرب من الخشن ليقول إن الرقم لا يعبر عن أصل قروض مباشرة فقط، بل يشمل أصل الدين والعوائد التي تضخمت مع تغيرات سعر الصرف والفائدة. غير أن هذا التفسير، حتى لو صح جزئيا، لم يبدد أصل المشكلة، لأن تضخم المديونية إلى هذا المستوى يعني أن دوائر التمويل وإعادة الجدولة واصلت العمل رغم أن الخطر كان يتراكم داخل المحافظ الائتمانية للبنوك لسنوات. وبعد ذلك بأيام، شدد البنك المركزي ضوابط منح وتجديد بعض التسهيلات، بما عكس أن الجدل لم يكن عابرا ولا بعيدا عن دوائر صنع القرار النقدي.

 

مديونية إيفرجرو من تمويل إضافي في يونيو 2022 إلى انفجار الجدل في أبريل 2026

 

بدأت ملامح الأزمة بصورة أوضح في يونيو 2022، حين كشفت تقارير اقتصادية أن تحالفا مصرفيا بقيادة البنك الأهلي المصري والبنك العربي الأفريقي كان يدرس تدبير تمويل جديد بقيمة 900 مليون جنيه لشركة إيفرجرو، بدعوى تمويل رأس المال العامل. وفي التوقيت نفسه، كانت الشركة تخضع لإعادة جدولة مديونيات مستحقة بالجنيه لفترة تصل إلى 13 عاما، وهو ما يبين أن التمويل الإضافي لم يأت خارج سياق تعثر قائم، بل داخل مسار تسوية ممتد ومفتوح.

 

ثم اتسعت الصورة في أبريل 2026، عندما أعادت وسائل إعلام مصرية وعربية نشر تفاصيل المديونية الضخمة المنسوبة إلى الخشن وشركاته، مع الإشارة إلى أن العدد التقريبي للبنوك الدائنة يدور حول 35 أو 36 بنكا، وأن تسوية كانت قيد الإعداد بالشروط والضمانات التي حصلت عليها البنوك. وفي تلك اللحظة، لم يعد الملف مجرد أزمة شركة صناعية كبيرة، بل تحول إلى قضية رأي عام تمس ثقة المودعين في آليات التقييم الائتماني والرقابة الداخلية في البنوك.

 

وفي هذا السياق، يكتسب رأي الخبير الاقتصادي مدحت نافع أهمية خاصة، لأنه حذر في مارس 2026 من أن اعتماد الدولة وأجهزتها على أوعية التمويل نفسها التي يحتاجها القطاع الخاص يخلق حالة مزاحمة داخل الجهاز المالي، حتى عندما تبدو بعض الأدوات الجديدة وكأنها تخفف الضغط على البنوك. وتصبح هذه الملاحظة أكثر خطورة عند إسقاطها على ملف متعثرين كبار، لأن التمويل الذي يذهب إلى كيانات متأزمة يحرم أنشطة إنتاجية أخرى من السيولة.

 

وبعد ذلك، جاء بيان البنك المركزي في 2 أبريل 2026 ليؤكد أن تحالف البنوك الدائنة أبرم اتفاقية لإعادة هيكلة مديونيات عميل كبير بما يكفل استيداء المديونيات شاملة العوائد، مع الحصول على الضمانات الكافية لتغطية المديونية. لكن هذا البيان، رغم طابعه التطميني، أكد ضمنا أن المشكلة وصلت إلى مستوى استدعى تدخلا علنيا من الرقيب المصرفي، وهو أمر لا يحدث عادة في ملفات الاعتماد العادية أو في حالات التعثر المحدود.

 

من الخشن إلى عماد زيادة.. اتساع دائرة التعثر يضاعف الضغط على الجهاز المصرفي

 

بعد انفجار ملف إيفرجرو، خرجت تقارير أخرى تتحدث عن تعثر الفنان ورجل الأعمال عماد زيادة وشقيقه في سداد مديونيات مرتبطة بشركة أويلكس للزيوت، وقدرت بعض هذه التقارير حجم الديون بنحو 11 مليار جنيه، مع الإشارة إلى محاولات سابقة للجدولة وصعوبات مالية منعت السداد. ومع أن هذا الرقم أقل من مديونية الخشن، فإن خطورته تكمن في أنه يؤكد أن الأزمة لا تقف عند اسم واحد أو قطاع واحد.

 

ثم زاد القلق مع تداول روايات عن عروض استحواذ أو تسوية مقابل سداد جزء كبير من المديونية، لأن هذا المسار يعني أن قيمة الأصول المتاحة والتدفقات النقدية الجارية لم تعد كافية لإغلاق الملف بالطرق المصرفية التقليدية. وعندما تصل المديونية إلى هذه المرحلة، فإن العبء لا يقع على المقترض وحده، بل ينتقل مباشرة إلى البنوك التي يتعين عليها إما تكوين مخصصات أكبر أو قبول تسويات أقل من المستحقات الأصلية والعوائد المتراكمة.

 

وفي هذه النقطة تحديدا، قال الخبير الاقتصادي وائل النحاس في 5 أبريل 2026 إن التعثر المالي قد يكون ظاهرة ملازمة للتوترات الاقتصادية، لكن الخطر الحقيقي يكمن في مدى كفاية المخصصات والاحتياطيات التي تحتفظ بها البنوك لمواجهة تلك المخاطر. كما حذر من تحويل المخصصات إلى أرباح بمجرد تحسن أوضاع بعض العملاء، لأن ذلك يفرغها من دورها الوقائي عندما تعود الأزمة للظهور بصورة أكبر.

 

كما يضع هذا الاتساع في حالات التعثر الخطاب الرسمي أمام اختبار صعب، لأن البيانات المنشورة عن القطاع المصرفي تشير في الاتجاه المقابل إلى تحسن نسبة القروض غير المنتظمة. فقد أشار تقرير الاستقرار المالي الصادر عن البنك المركزي في مارس 2025 إلى تراجع النسبة إلى 2.2%، ثم ذكرت تقارير مالية في 1 أبريل 2026 أنها هبطت إلى 1.9% بنهاية ديسمبر 2025، وهي مستويات توصف بأنها الأدنى منذ سنوات. غير أن بروز مديونيات بهذا الحجم يفرض سؤالا عن مدى كفاية المؤشر الكلي وحده في كشف المخاطر المركزة لدى كبار العملاء.

 

رقابة متأخرة وأسئلة مفتوحة حول المسؤولية واسترداد أموال المودعين

 

بعد تصاعد الجدل، أصدر البنك المركزي في 7 أبريل 2026 توجيها جديدا إلى البنوك بعدم منح أو تجديد التسهيلات الائتمانية لجهات منح الائتمان غير المصرفي إلا بعد ثبوت تكويدها لديه والإقرار ببيانات عملائها في نظم التسجيل والاستعلام الائتماني. كما حمل الكتاب الدوري المؤرخ 6 أبريل 2026 مضمونا واضحا يربط اكتمال المعلومات الائتمانية بسلامة قرار منح الائتمان واستقرار النظام المالي. ويعني صدور هذه التعليمات في هذا التوقيت أن ثغرات جمع البيانات والتثبت منها كانت مطروحة على الطاولة الرقابية بالفعل.

 

وفي ضوء ذلك، تبدو المشكلة أوسع من مجرد تعثر عميل أو عميلين، لأن السوق بات أمام مسألة تخص فلسفة المنح الائتماني نفسها داخل البنوك، وتخص كذلك حدود رقابة البنك المركزي على التوسع في التمويل ثم على عمليات الجدولة المتكررة. وعندما يضطر الرقيب إلى الخروج ببيانات علنية ثم تعديل التشدد الرقابي خلال أيام قليلة، فإن ذلك يفتح باب المساءلة عن السنوات التي سبقت الانفجار الإعلامي، لا عن الأيام التي تلته فقط.

 

وفي هذا الإطار، قال الخبير الاقتصادي هاني توفيق في يناير 2026 إن الخطر الحقيقي على الاقتصاد المصري يكمن في الدين المحلي أكثر من الدين الخارجي. وتكتسب هذه الإشارة معنى مباشرا هنا، لأن القروض المتعثرة داخل الجهاز المصرفي ليست رقما معزولا عن أزمة الدين المحلي، بل هي جزء من ضغط أوسع على السيولة والتكلفة والمخاطر داخل الاقتصاد كله، من الموازنة العامة إلى تمويل القطاع الخاص والإنتاج الحقيقي.

 

ثم تقود هذه الوقائع إلى نتيجة توثيقية واضحة، وهي أن ملف القروض المتعثرة لم يعد قابلا للمعالجة بالبيانات التطمينية وحدها، بعدما ظهرت مديونيات ضخمة، وتبين أن بعضها جرى تدويره وتمويله وإعادة جدولته لسنوات قبل أن يصل إلى العلن. كما أن الدفاع عن سلامة الضمانات لا يجيب وحده عن سؤال أساسي يتعلق بمن وافق على تراكم هذا الانكشاف، وكيف جرى تقييم الجدارة الائتمانية، ولماذا لم تتدخل الرقابة قبل تضخم الأرقام إلى هذا الحد.

 

وأخيرا، يبقى جوهر الأزمة في أن أموال المودعين دخلت مسارا يحتاج إلى كشف كامل لا إلى تسوية صامتة، لأن استقرار السوق لا يتحقق بإغلاق الملفات داخل الغرف المصرفية وحدها، بل بإعلان الحقائق، وتحديد المسؤوليات، واسترداد الحقوق، ومنع تكرار منح المليارات لكيانات متأزمة ثم تقديم ذلك لاحقا باعتباره مجرد سوء فهم أو ضجة عابرة. هذه القضية صارت اختبارا مباشرا لجدية الرقابة النقدية ولقدرة الدولة على حماية المال العام والخاص معا من قرارات ائتمانية باهظة الكلفة على المجتمع كله.