كشف إبراهيم أبو العطا، الأمين العام للنقابة العامة لأصحاب المعاشات، حجم الأزمة التي تضغط على أصحاب المعاشات في مصر، بعدما أكد أن هذه الفئة التي تقترب من 12 مليون مواطن تعيش تحت عبء معيشي متزايد، بينما يبقى دخلها ثابتًا في مواجهة ارتفاع متواصل في أسعار الغذاء والخدمات والعلاج.

 

وتأتي هذه التصريحات في وقت يتابع فيه الملايين مصير الزيادة السنوية الجديدة، وسط غياب إعلان نهائي واضح حتى الآن، رغم أن الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي تتحدث عن تطبيق الزيادة اعتبارًا من 1 يوليو 2026 وفق القانون المنظم للمعاشات. هذا التوقيت يضع أصحاب المعاشات أمام أشهر إضافية من الضغوط، بينما تتآكل القيمة الفعلية لما يتقاضونه شهريًا مع كل موجة ارتفاع جديدة في الأسعار، وهو ما جعل ملف المعاشات يعود إلى واجهة الغضب الاجتماعي بوصفه اختبارًا مباشرًا لجدية السلطة في حماية الفئات الأكثر هشاشة.

 

تأتي خطورة هذا الملف من أن الأزمة لم تعد مرتبطة بقيمة الزيادة فقط، بل باتت مرتبطة بجدواها الفعلية في مواجهة تضخم يتحرك بسرعة أكبر من دخول أصحاب المعاشات. فقد أعلن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أن معدل التضخم السنوي لإجمالي الجمهورية ارتفع إلى 13.5% في مارس 2026 مقابل 11.5% في فبراير 2026، بينما بلغ التضخم الشهري 3.3% في مارس وحده. هذه الأرقام تعني أن كل تأخير في رفع المعاشات يخصم مباشرة من القدرة الشرائية لفئة لا تملك مصدرًا بديلًا للدخل، ولا تحتمل انتظارًا طويلًا ولا معالجات شكلية. ومن هنا تبدو مطالب ربط المعاشات بالتضخم، وتوسيع الحماية الصحية والاجتماعية، وإجراء إصلاح شامل للمنظومة، مطالب مرتبطة بالواقع اليومي للناس، لا شعارات قابلة للتأجيل أو التجميل السياسي.

 

دخل ثابت وأسعار تتحرك أسرع من المعاش

 

وبحسب تصريحات أبو العطا، فإن أصحاب المعاشات يجدون أنفسهم أحيانًا خارج نطاق الزيادات الاستثنائية التي تمنحها الحكومة لفئات أخرى، رغم أن هذه الشريحة تعتمد بالكامل على دخل شهري ثابت لا يتغير مع الزيادات المتلاحقة في الأسعار. هذا الواقع يفسر اتساع القلق في الشارع، لأن الأزمة لا تخص فئة هامشية، بل تخص ملايين الأسر التي ترتبط معيشتها المباشرة بقيمة معاش لم يعد يغطي الاحتياجات الأساسية.

 

وفي هذا السياق، يكتسب حديث عالية المهدي، عميد كلية الاقتصاد والعلوم السياسية الأسبق، أهمية مباشرة، لأنها قالت إن الدعم النقدي يتآكل مع ارتفاع الأسعار، وإن الدعم العيني كان سيكون أكثر فاعلية في ظل تضخم مرتفع ونمو ضعيف. هذا التقدير يضع السلطة أمام مأزق واضح، لأن الاكتفاء بزيادة نقدية مؤجلة أو محدودة يعني عمليًا ترك أصحاب المعاشات في مواجهة السوق من دون حماية كافية.

 

كما أن التأخر في إعلان زيادة واضحة حتى منتصف أبريل 2026 يضاعف هذا المأزق، لأن الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي تتحدث عن صرف الزيادة السنوية اعتبارًا من 1 يوليو 2026 بعد إجراء الدراسات الاكتوارية، بينما يبقى أصحاب المعاشات مطالبين بتدبير نفقات الغذاء والدواء والسكن الآن لا بعد شهور. هذا الفاصل الزمني يكشف خللًا سياسيًا في ترتيب الأولويات أكثر مما يكشف تعقيدًا إداريًا عابرًا.

 

ربط المعاشات بالتضخم لم يعد مطلبًا نقابيًا بل ضرورة معيشية

 

ومن ثم، فإن مطالبة أبو العطا بربط زيادات المعاشات بمعدلات التضخم تبدو مطالبة مرتبطة بالأرقام المنشورة لا بمزايدة خطابية، لأن التضخم السنوي صعد في مارس 2026 إلى 13.5%، بينما قفز التضخم الشهري إلى 3.3% خلال شهر واحد فقط. هذه الوتيرة تعني أن أي زيادة لا تتحرك بالتوازي مع الأسعار ستفقد جزءًا معتبرًا من قيمتها قبل أن تصل إلى جيوب المستفيدين.

 

وفي الإطار نفسه، قال مصطفى شفيع، رئيس قسم البحوث في شركة العربية أون لاين، إن الحزمة الاجتماعية الأخيرة تخفف بعض الضغوط لكنها لا تتناسب مع معدلات التضخم. هذا التقدير ينسجم مع شكاوى أصحاب المعاشات، لأن المشكلة لم تعد في وجود زيادة من عدمه فقط، بل في الهوة بين نسبة الزيادة وسرعة الارتفاع في تكاليف المعيشة، وهي هوة تعيد إنتاج العجز كل شهر.

 

ولذلك، فإن استمرار الحكومة في إدارة ملف المعاشات باعتباره استحقاقًا ماليًا مؤجلًا إلى بداية العام المالي التالي، من دون إجراءات فاصلة خلال الأشهر الحالية، يفتح الباب أمام اتساع الضغوط الاجتماعية. فالقانون ينص على زيادة سنوية للمعاشات وفق الضوابط المنظمة، لكن النص القانوني وحده لا يحمي الناس عندما تسبق الأسعار الزيادات وتبتلعها قبل الصرف الفعلي.

 

إصلاح المنظومة يتجاوز الزيادة النقدية إلى الحق في حياة كريمة

 

وعلى هذا الأساس، لم يحصر أبو العطا مطالبه في قيمة الزيادة المالية، بل وسعها لتشمل خدمات صحية واجتماعية مناسبة تضمن حياة كريمة بعد سنوات العمل. هذا التوسيع مهم، لأن أصحاب المعاشات لا يواجهون أزمة دخل فقط، بل يواجهون أيضًا عبئًا مضاعفًا في العلاج والرعاية والخدمات الأساسية، وهو ما يجعل أي معالجة مالية منفصلة عن الخدمات معالجة ناقصة من بدايتها.

 

وفي هذا المسار، قال محمد حسن، العضو المنتدب لشركة ألفا لإدارة الاستثمارات المالية، إن الزيادات الأخيرة في الأجور والمعاشات غير مجدية للمواطنين لأنها قليلة مقارنة بما تشهده الأسعار من ارتفاعات. أهمية هذا التقدير أنه يصدر عن خبير يربط مباشرة بين الزيادة الاسمية والنتيجة الفعلية في السوق، وهي النتيجة التي يختبرها أصحاب المعاشات عند شراء الطعام والدواء لا في الجداول الحكومية.

 

ثم إن أرقام التأمينات نفسها تكشف اتساع المسؤولية، لأن عدد المستفيدين يقترب من 11.5 مليون مواطن من أصحاب المعاشات والمستحقين، بينما تتحدث التصريحات النقابية عن شريحة تقترب من 12 مليونًا. هذا الحجم يجعل أي تراجع في مستوى المعيشة مسألة عامة تمس الاستقرار الاجتماعي، لا ملفًا قطاعيًا يمكن ترحيله أو تخفيفه بخطاب رسمي مطمئن لا يغير شيئًا في الأسواق.

 

وأخيرًا، فإن المطالبة بإصلاح شامل لمنظومة المعاشات تكتسب قوة إضافية لأن الدستور ينص على كفالة التأمين الاجتماعي والضمان الاجتماعي بما يضمن حياة كريمة لغير القادرين على إعالة أنفسهم وأسرهم. وعندما تتسع الفجوة بين النص الدستوري والواقع المعيشي، تصبح الأزمة أزمة التزام سياسي وتنفيذي، لا مجرد أزمة موارد أو توقيت صرف، وتصبح مساءلة الحكومة واجبًا توثيقيًا لا ترفًا سياسيًا.

 

لهذا كله، يظهر ملف المعاشات اليوم بوصفه واحدًا من أكثر الملفات كشفًا لطبيعة إدارة السلطة للأزمة الاجتماعية في مصر. فالمعاش الذي يتراجع أمام التضخم، والزيادة التي تتأخر حتى يوليو، والخدمات الصحية التي تبقى أقل من الاحتياج، كلها عناصر تصب في نتيجة واحدة هي تحميل أصحاب المعاشات ثمن السياسات الاقتصادية من دخولهم المحدودة وأعمارهم التي لم تعد تحتمل مزيدًا من الانتظار. ولهذا فإن أي قرار لا يربط الزيادة بحركة الأسعار، ولا يوسع الحماية الصحية والاجتماعية، ولا يعالج المنظومة من جذورها، سيبقى قرارًا ناقصًا في مواجهة أزمة مكتملة الأركان.