ربطت تقارير عدة بين الدور الذي اضطلعت به باكستان وتركيا ومصر والسعودية لوقف إطلاق النار في إيران، وظهور تحالف إقليمي جديد في أعقاب الصراع الحالي.
وقال موقع "نيوز 18" الإخباري الهندي، إن ما يجعل هذه المجموعة الناشئة جديرة بالملاحظة هو تنوع أعضائها: السعودية- مملكة خليجية ذات علاقات عميقة مع الغرب؛ وتركيا- عضو في حلف شمال الأطلسي ولها طموحات إقليمية؛ ومصر- قوة عربية رئيسة؛ وباكستان- دولة تقع على مفترق طرق جنوب آسيا والعالم الإسلامي.
وأضاف: "تاريخيًا، لم تكن هذه الدول متفقة دائمًا، فقد اختلفت أولوياتها، بل وتنافست أحيانًا على النفوذ. ومع ذلك، يبدو أن الأزمة الحالية تدفعها إلى موقف أكثر تنسيقًا".
واجتمع دبلوماسيون من السعودية ومصر وتركيا في إسلام آباد في 29 مارس في محاولة لتهدئة الصراع. وجاء في بيان صادر عن وزارة الخارجية المصرية: "تبادل الوزراء أيضًا تقييمات حول التداعيات الاقتصادية الوخيمة للتصعيد العسكري في المنطقة، وتأثيراته على الملاحة الدولية وسلاسل الإمداد والأمن الغذائي، فضلاً عن تداعياته على أمن الطاقة في ظل ارتفاع أسعار النفط والطاقة".
واعتبر التقرير، أن هذا التحالف لا يتألف من دول متشابهة في التفكير بقدر ما هو تحالف عملي بين "قوى متوسطة" تدخل في لحظة تبدو فيها القيادة التقليدية غير مؤكدة.
ما الذي يدفع هذا التحول؟
وأشار إلى عوامل عدة قد تجعل هذا التوافق ممكنًا، وهي:
أولاً: هناك تزايد في الاعتقاد بأن القوى الخارجية قد لا تكون قادرة، أو راغبة، في ضمان الاستقرار في المنطقة كما كانت تفعل سابقًا، وقد شجع هذا الأمر الجهات الفاعلة الإقليمية على تحمل مسؤولية أكبر عن بيئتها الأمنية.
ثانيًا: هناك البُعد الاقتصادي. فقد أدت الحرب إلى تعطيل تدفقات الطاقة، وأثارت مخاوف بشأن استقرار الإمدادات على المدى الطويل. بالنسبة لدول مثل المملكة العربية السعودية، يُعد الحفاظ على السيطرة على أسواق النفط أمرًا بالغ الأهمية. أما بالنسبة لدول أخرى، فإن ضمان الوصول إلى طاقة بأسعار معقولة، وتأمين طرق تجارية مستقرة، لا يقل أهمية.
ثالثًا: الحسابات السياسية. لا ترغب أي من هذه الدول في أن تهيمن قوة واحدة على المنطقة أو أن تُجرّ إلى صراع طويل الأمد بين خصوم أكبر. ومن خلال تنسيق مواقفها، تكتسب نفوذًا أكبر في التأثير على النتائج.
هل يستطيع هذا التكتل الصمود؟
بحسب مقال رأي في صحيفة "جيروزاليم بوست": "يبدو تحالف هذه الدول الثلاث غريبًا ومثيرًا للدهشة". ومع ذلك، بدأت التطورات في المنطقة بعد حرب غزة في 7 أكتوبر.
إذ تعود جذور هذا التكتل إلى قمة عُقدت في الرياض في نوفمبر 2023، حيث اجتمع قادة 22 دولة عربية و57 دولة إسلامية في أعقاب هجمات 7 أكتوبر. وكان الهدف هو التوصل إلى موقف عربي إسلامي منسق بشأن الحرب في غزة.
وكان من أبرز نتائج الاجتماع تشكيل "لجنة دبلوماسية ثمانية" تضم السعودية وإندونيسيا وتركيا وقطر والأردن ومصر ونيجيريا وممثلين عن فلسطين. وكُلفت اللجنة بالتواصل مع القوى العالمية للضغط من أجل وقف إطلاق النار وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية إلى غزة. ومع مرور الوقت، انسحبت نيجيريا والممثلون الفلسطينيون، وأُعيد تشكيل اللجنة بانضمام باكستان والإمارات العربية المتحدة.
وبرز دور هذه الدول خلال حرب غزة بشكل متزايد من خلال سلسلة من الاجتماعات المشتركة والبيانات المنسقة. وبمرور الوقت، توحدت جهودها حول هدف مشترك، ألا وهو دعم خارطة طريق مقترحة لخفض حدة النزاع، وتيسير وصول المساعدات الإنسانية، واستعادة الاستقرار في المنطقة. ورغم استمرار وجود اختلافات بين الأعضاء، إلا أن ما جمعهم هو مصلحة مشتركة في منع تفاقم الأزمة.
وتفاقم هذا القلق مع تصاعد الصراع الذي تشارك فيه إيران، وأثار احتمال اندلاع حرب إقليمية أوسع نطاقًا مخاوف جدية، لا سيما بشأن خطر تعطيل طرق التجارة الرئيسة مثل مضيق هرمز، مما قد يؤثر بشكل خطير على الأمن والاقتصاد العالمي.
وفي هذا السياق، استضافت الرياض اجتماعًا رفيع المستوى في 18 مارس، جمع وزراء خارجية اثنتي عشرة دولة عربية وإسلامية، من بينها مصر والأردن والكويت وقطر وباكستان ولبنان والإمارات العربية المتحدة وسوريا وتركيا وأذربيجان والبحرين. وتقع العديد من هذه الدول على مقربة جغرافية من منطقة النزاع، ما يجعلها عرضة بشكل مباشر لتداعياته.
وعكس البيان المشترك الذي صدر لاحقًا الانقسامات المعقدة في المنطقة. فقد أدان الضربات الإيرانية على دول الخليج وتركيا وأذربيجان، وانتقد في الوقت نفسه العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان، معربًا عن قلقه إزاء طموحاتها الإقليمية الأوسع. وفي الوقت نفسه، أعرب عن دعمه لجهود الحكومة اللبنانية في بسط سيطرتها على الجماعات المسلحة داخل أراضيها.
وعلى هامش الاجتماع، عقدت جهات فاعلة رئيسة، من بينها تركيا والسعودية ومصر وباكستان، مباحثات حول إنشاء منصة أمنية إقليمية جديدة تهدف إلى معالجة التهديدات المشتركة وتعزيز التعاون الدفاعي. وفي الوقت نفسه، كثّفت دول مثل تركيا ومصر وباكستان جهودها الدبلوماسية للتوسط بين إيران والولايات المتحدة، في إشارة إلى توجه أوسع لاحتواء الصراع ومنع تصعيده، وفقًا لما ذكرته صحيفة "جيروزاليم بوست".
الاختلافات بين الدول الأربع
وعلى الرغم من التنسيق الحالي بين باكستان والسعودية ومصر وتركيا، قال التقرير إن علاقاتها اتسمت تاريخيًا بمصالح متباينة وتوترات، نتيجةً لتنافس الطموحات الإقليمية والاختلافات الأيديولوجية. وقد سعت تركيا، في ظل سياستها الخارجية الأكثر حزمًا، إلى ترسيخ مكانتها كقائدة في العالم الإسلامي، الأمر الذي اصطدم أحيانًا بدور السعودية التقليدي كقوة عربية مهيمنة.
وبرز هذا التنافس بشكل خاص في أعقاب الربيع العربي، حين دعمت تركيا حركات إسلامية سياسية كجماعة الإخوان المسلمين، بينما عارضتها السعودية ومصر بشدة. وتدهورت العلاقات المصرية التركية بشكل حاد بعد الإطاحة بالرئيس محمد مرسي عام 2013، مما أدى إلى سنوات من الجمود الدبلوماسي.
وعلى الرغم من العلاقات العسكرية والاقتصادية العريقة بين السعودية وباكستان، إلا أن العلاقات بينهما شهدت بعض التوترات بين الحين والآخر. وقد برزت خلافات حول استراتيجية باكستان في الموازنة بين السعودية وإيران، فضلاً عن تردد إسلام آباد أحيانًا في التوافق التام مع استراتيجيات الرياض الإقليمية، بما في ذلك التدخلات العسكرية، بحسب التقرير.
في غضون ذلك، حافظت تركيا وباكستان عمومًا على علاقات أوثق، وغالبًا ما اتفقتا على قضايا مثل كشمير والسياسة الأوسع للعالم الإسلامي، على الرغم من أن هذا الأمر وضعهما أحيانًا في خلاف مع دول الخليج.
من جانبها، انحازت مصر إلى حد كبير إلى جانب السعودية في قضايا الاستقرار الإقليمي ومعارضة الجماعات الإسلامية، لكنها ظلت حذرة من النفوذ التركي المتزايد في البحر الأبيض المتوسط وشمال أفريقيا.
وفقًا للتقرير، تؤكد هذه التنافسات والتحالفات المتداخلة هشاشة أي كتلة ناشئة، مما يشير إلى أنه على الرغم من إمكانية التعاون في أوقات الأزمات، فإن الخلافات العميقة الجذور لا تزال تُؤثر على علاقاتها طويلة الأمد.
علاقات الدول الأربع مع إيران وإسرائيل؟
وصف التقرير علاقات المملكة العربية السعودية ومصر وتركيا وباكستان مع إسرائيل وإيران بأنها تعكس مزيجًا معقدًا من التنافس والبراجماتية وتغير الأولويات الاستراتيجية.
ولطالما اعتبرت السعودية إيران منافسها الإقليمي الرئيس، في صراعٍ تشكّل بفعل التنافس الجيوسياسي والانقسامات الطائفية. وقد امتدّ هذا التنافس على جبهاتٍ عديدة، من اليمن إلى الخليج. وفي الوقت نفسه، ورغم عدم وجود علاقات دبلوماسية رسمية بين الرياض وإسرائيل، فقد شهد موقفها تطورًا في السنوات الأخيرة، مع تزايد الانخراط غير الرسمي مدفوعًا بمخاوف مشتركة بشأن النفوذ الإيراني.
وعلى النقيض من ذلك، تربط مصر علاقات رسمية بإسرائيل منذ معاهدة السلام عام 1979، ولا تزال تلعب دورًا محوريًا كوسيط في النزاعات الإقليمية، لا سيما في غزة. وقد تبنت مصر موقفًا متقاربًا مع السعودية في التعامل بحذر مع النفوذ الإيراني الإقليمي، مع إيلاء الأولوية للاستقرار في المناطق المجاورة كالبحر الأحمر.
وكان موقف تركيا أكثر مرونة، فقد كانت من أوائل الدول ذات الأغلبية المسلمة التي اعترفت بإسرائيل عام 1949، وظلت التجارة الثنائية بين البلدين كبيرة، إذ تجاوزت 7 مليارات دولار في السنوات الأخيرة على الرغم من التوترات السياسية. وشهدت العلاقات توترات دورية، لا سيما بشأن غزة، لكنها استعادت عافيتها في فترات مختلفة. في الوقت نفسه، تحافظ تركيا وإيران على علاقة تنافسية لكنها فعّالة، حيث تستمر العلاقات التجارية والطاقة حتى في ظل دعمهما لأطراف متنازعة في الصراعات الإقليمية.
وبحسب التقرير، فإن باكستان تتميز عن غيرها بعدم اعترافها بإسرائيل ودعمها المستمر للقضية الفلسطينية. أما علاقتها بإيران فتتأثر بالجغرافيا والمخاوف الأمنية، بما في ذلك الحدود المشتركة التي تمتد على مسافة 900 كيلومتر والتوترات الدورية الناجمة عن التمرد عبر الحدود. وتؤكد هذه الديناميكيات المتداخلة مجتمعةً سبب بقاء التعاون بين هذه الدول تكتيكيًا لا قائمًا على تحالف عميق.

