حدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منذ بداية الحرب على إيران أربعة أهداف معلنة: تدمير الترسانة الصاروخية الإيرانية وقدرات إنتاجها، وتدمير القوة البحرية الإيرانية، وقطع دعم طهران للفصائل المسلحة الحليفة في المنطقة، وضمان ألا تمتلك إيران سلاحا نوويا. وبعد إعلان هدنة لمدة أسبوعين في 8 أبريل 2026، عاد السؤال بقوة: هل خرج ترامب من الحرب وقد أنجز ما قاله، أم أنه أوقف القتال بينما بقيت القضايا الأصعب مفتوحة، من تخصيب اليورانيوم إلى الشبكات الإقليمية التي بنتها طهران خلال سنوات.
المعطيات المتاحة حتى الآن لا تسمح بإجابة حاسمة بنعم أو لا. فواشنطن حققت، بحسب تقييمات عسكرية وأمنية أمريكية، تقدما ملموسا في ملفي الصواريخ والبحرية، لكن الهدنة نفسها كشفت أن الخلافات الأساسية لم تُحسم. فأسوشيتد برس ذكرت بوضوح أن الاتفاق المؤقت ترك أسئلة مفتوحة بشأن البرنامج النووي الإيراني، والصواريخ الباليستية، والفصائل الحليفة لطهران، فيما أصرت إيران على استمرار التخصيب وعلى استمرار سيطرتها على مضيق هرمز.
تقدم واضح في الصواريخ والبحرية لكن من دون حسم نهائي
تبدو الحصيلة الأكثر وضوحا لترامب في الهدفين الأول والثاني، أي ضرب القدرات الصاروخية والبحرية الإيرانية. فالبيت الأبيض أكد في 1 أبريل 2026 أن أهداف الحرب كانت منذ اليوم الأول “تدمير الصواريخ وإنتاجها، وإبادة البحرية الإيرانية، وقطع دعم الوكلاء، ومنع السلاح النووي”، فيما كتب الباحث رافائيل إس. كوهين في RAND أن الولايات المتحدة وإسرائيل أحرزتا “تقدما كبيرا” نحو ثلاثة من هذه الأهداف بعد شهر من الحرب.
ويستند هذا التقييم إلى مؤشرات عملياتية مباشرة. فكوهين كتب أن إطلاقات إيران الباليستية هبطت 90% خلال الأسبوع الأول من الحملة، بعد أن أطلقت إيران أكثر من 400 صاروخ في اليوم الأول، ثم تراجع المعدل لاحقا إلى نحو 20 إلى 40 صاروخا يوميا. كما أشار تحليل Atlantic Council إلى أن الأهداف الأمريكية المعلنة، ومنها الصواريخ والبحرية والطائرات المسيّرة، تعرضت لتدهور شديد، مع وجود أكثر من 50 قطعة بحرية إيرانية في قاع البحر.
لكن هذا التقدم لا يعني أن الخطر انتهى. فالهدنة لم تتضمن نصا معلنا يقول إن إيران فقدت القدرة على إعادة بناء هذه المنظومات أو أنها قبلت قيودا دائمة عليها. كما أن أسوشيتد برس أوضحت أن وقف النار مؤقت ومشحون بتفسيرات متضاربة، وأن إيران احتفظت بدور عسكري مباشر في إدارة المرور عبر هرمز. وهذا يعني أن واشنطن ربما عطلت القدرات الإيرانية، لكنها لم تنتزع بعد تسوية تضمن عدم عودتها.
وفي هذا الإطار يكتسب رأي أليكس بليتساس، الباحث في المجلس الأطلسي والمسؤول السابق في وزارة الدفاع الأمريكية، أهمية خاصة، لأنه قال إن الولايات المتحدة “في طريقها” لتحقيق أهدافها، وإن هذه القدرات “تدهورت بشدة”. لكن صياغته نفسها تحمل حدود الإنجاز، لأنها تتحدث عن مسار متقدم لا عن نهاية مكتملة. وهذا فارق جوهري بين تحقيق نصر عسكري تكتيكي وبين فرض نتيجة سياسية نهائية.
الهدف النووي بقي الأكثر التباسا بعد الهدنة
إذا كان ملف الصواريخ والبحرية يتيح لترامب مساحة للقول إنه حقق إنجازا، فإن الهدف النووي يبدو حتى الآن الأكثر التباسا. فالهدنة المعلنة لم تحسم مصير تخصيب اليورانيوم، بل على العكس، ذكرت أسوشيتد برس أن إيران واصلت الإصرار على حقها في التخصيب، وأن هذا الأمر ظل من أبرز القضايا غير المحسومة بعد الاتفاق المؤقت. كما أن إيران قدمت رؤية تفاوضية ترى في الإثراء مسألة سيادة، لا بندا قابلا للشطب السريع.
وتعزز كيلسي دافنبورت، مديرة سياسة عدم الانتشار في جمعية الحد من التسلح، هذا الاستنتاج بصورة أكثر حدة. فهي كتبت في أبريل 2026 أن المفاوضين الأمريكيين لم يكونوا مستعدين جيدا لملف نووي بهذه الحساسية، وأن واشنطن لم تتعامل بجدية مع التعقيدات القانونية والتقنية لأي اتفاق بديل. كما شددت على أن تقييم الاستخبارات الأمريكية في 2025 كان يقول إن إيران لا تبني سلاحا نوويا، وأن المرشد لم يُعد تفعيل برنامج الأسلحة الذي توقف في 2003، رغم أن طهران اتخذت خطوات تجعل التحول أسرع إذا اتخذ القرار السياسي.
ثم يزداد هذا الالتباس مع سؤال المخزون النووي نفسه. فقد أشار Atlantic Council إلى أن مخزون إيران من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% كان يقدّر بنحو 440.9 كيلوغراما قبل الضربات، وأنه ما زالت توجد ضبابية حول ما إذا كان هذا المخزون دُمّر أو أصبح غير قابل للوصول أو ظل قائما من دون رقابة كافية. كما نقل عن النائب الأمريكي بيل فوستر قلقه من أن الإدارة لم تكن تملك خطة واضحة لتدمير هذا المخزون أو مصادرته أو إعادته إلى التفتيش الدولي.
لذلك يصعب القول إن ترامب حقق هدف “منع إيران من امتلاك السلاح النووي” بالمعنى النهائي. نعم، الحرب ربما أضعفت بعض البنية النووية، لكن الهدنة لم تنتج ترتيبا قابلا للتحقق والرقابة يحسم الملف. وبهذا المعنى تبدو واشنطن قد عطلت المسار النووي الإيراني أكثر مما أنهته، ورفعت كلفة المضي فيه أكثر مما أغلقت بابه نهائيا. وهذا فرق جوهري بين إبطاء الخطر وإنهائه.
شبكة الوكلاء لم تنهَر والهدنة نفسها كشفت حدود الإنجاز الأمريكي
الهدف الرابع الذي أعلنه ترامب كان وقف قدرة النظام الإيراني على تسليح وتمويل وقيادة “جيوش إرهابية” خارج حدوده. غير أن هذا الملف يبدو حتى الآن أبعد الأهداف عن الإنجاز الكامل. فأسوشيتد برس أوضحت أن إسرائيل أعلنت صراحة أن الهدنة مع إيران لا توقف حربها ضد حزب الله في لبنان، وأن الأعمال القتالية استمرت هناك. وهذا وحده يكفي للدلالة على أن شبكة الحلفاء الإيرانيين لم تُفكك، بل بقيت جزءا من المشهد العسكري بعد الهدنة.
كما كتب أحمد شراوي، الباحث البارز في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، أن إيران والميليشيات الحليفة لها واصلت بين 28 مارس و1 أبريل إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة والذخائر على دول إقليمية، مع تسجيل نحو 90 حادثة خلال تلك الفترة، بينها موجات قصف في الإمارات والسعودية والكويت والبحرين. ويعني ذلك أن البنية العملياتية للوكلاء لم تتوقف، حتى لو تعرضت للضغط أو الانكماش.
وفي المجلس الأطلسي ورد تقييم أكثر تركيبا لهذه النقطة. فقد أشار التحليل إلى أن شبكة الوكلاء الإيرانية “ما زالت تعمل”، وإن كانت “تزداد تقييدا”، وأن حزب الله ما زال يحتفظ بقدرات عسكرية مهمة، بينما تحتفظ الميليشيات الموالية لإيران في العراق بنفوذ فعلي، حتى مع تعرضها لمخاطر داخلية وخارجية. وهذه اللغة لا تصف انهيارا لشبكة النفوذ، بل تصف ضغطا عليها من دون القضاء عليها.
ومن هنا يبرز رأي جوناثان بانيكوف، مدير مبادرة أمن الشرق الأوسط في المجلس الأطلسي والمسؤول الاستخباري الأمريكي السابق، بصورة غير مباشرة لكن مهمة، حين يشرح أن أهداف الحرب الأمريكية شملت تقويض سيطرة إيران على وكلائها، وأن هذه الحرب فتحت أسئلة أوسع حول مستقبل النظام الإيراني نفسه ومقدرته على إعادة إنتاج نفوذه. لكن حتى في هذه القراءة لا يظهر أن الهدنة حققت لترامب نصرا نهائيا في هذا الملف، بل أظهرت فقط أن الشبكة تلقت ضربة من دون أن تُكسر بالكامل.
في المحصلة، حقق ترامب جزءا مهما من أهدافه العسكرية المباشرة، ولا سيما في ملفي الصواريخ والبحرية، وفرض على إيران هدنة مؤقتة تحت ضغط عسكري كبير. لكنه لم يحقق حتى الآن الأهداف السياسية الكبرى بالمعنى الحاسم، لأن الملف النووي بقي مفتوحا، ولأن شبكة الحلفاء الإقليميين ما زالت حية، ولأن الهدنة نفسها لم تنتج اتفاقا نهائيا يضمن استدامة ما تحقق عسكريا. ولهذا فإن الإجابة الأدق بعد الهدنة هي أن ترامب حقق إنجازات ملموسة، لكنه لم ينجز بعد حربه كما أعلنها.

