تلجأ الهيئة القومية للأنفاق إلى اقتراض جديد بقيمة 25 مليون يورو من البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، لا لتمويل توسع جديد في شبكة المترو ولا لإضافة خدمة جديدة تخفف الضغط عن المواطنين، بل لسداد مستحقات مالية متأخرة لصالح شركتين أجنبيتين تعاقدت معهما الدولة منذ سنوات.
هذه الحقيقة تضع الملف في مكانه الصحيح، لأن جوهر الأزمة لا يتعلق بمشروع جديد تبحث له الحكومة عن تمويل، بل يتعلق بعجز جهة عامة عن الوفاء بالتزامات قائمة في مواعيدها، ثم العودة إلى الاقتراض لتغطية هذا العجز. ووفق المعلومات المتداولة، فإن الهيئة تنتظر صدور قرار رئاسي خلال الأيام المقبلة حتى يتم إخطار البنك وتحويل قيمة القرض مباشرة إلى شركتي هيونداي روتيم الكورية وسوكوفير الفرنسية. بهذا المعنى، لا يظهر القرض كأداة تنمية بقدر ما يظهر كوسيلة لترحيل عبء مالي قديم إلى دين جديد يضاف إلى سجل طويل من الالتزامات المرتبطة بقطاع النقل.
هذه الخطوة تكتسب دلالة أكبر لأنها تأتي في ظل اتساع مديونية وزارة النقل نفسها، وفي وقت تتحدث فيه الحكومة باستمرار عن تطوير المرافق وتحسين الخدمات ورفع كفاءة البنية الأساسية. لكن الواقع الذي تكشفه هذه الواقعة أكثر صراحة، لأن الهيئة التي تدير واحدًا من أهم مرافق النقل الجماعي في مصر اضطرت إلى البحث عن شريحة تمويلية إضافية فقط لتسوية متأخرات ترتبت على عقود سابقة منذ 2019.
هذه الصورة تكشف أن أزمة التمويل لم تعد محصورة في تكلفة تنفيذ المشروعات الجديدة، بل امتدت إلى القدرة على سداد مستحقات التعاقدات القديمة نفسها. ومن ثم يفرض هذا الملف سؤالًا مباشرًا عن أسلوب إدارة الالتزامات العامة، وعن الثمن الذي تدفعه المرافق الحيوية عندما يتحول الاقتراض من وسيلة للتوسع إلى وسيلة لسداد ديون مستحقة كان يفترض تدبيرها داخل الجداول المالية الأصلية.
قرض جديد لتغطية متأخرات قديمة
ثم تتضح طبيعة الأزمة من الغرض المباشر للقرض، لأن الهيئة القومية للأنفاق لا تتحرك للحصول على 25 مليون يورو من أجل شراء معدات إضافية أو تدشين مرحلة جديدة من التطوير، بل من أجل تسوية مستحقات مالية متأخرة لصالح شركتين أجنبيتين. هذه النقطة تحدد جوهر الملف بدقة، وتكشف أن الاقتراض الجديد جاء لتسوية التزامات قائمة لا لإنشاء أصول جديدة.
وبعد ذلك تظهر خلفية هذه المستحقات في العقود التي وقعتها الهيئة منذ 2019 مع شركتي هيونداي روتيم الكورية وسوكوفير الفرنسية لتوريد وصيانة قطارات وجرارات للخط الثاني لمترو الأنفاق. تنفيذ هذه العقود امتد عبر السنوات التالية، لكن جزءًا من قيمتها بقي على عاتق الهيئة، ما دفعها لاحقًا إلى البحث عن تمويل إضافي يسد الفجوة التي لم تغطها الموارد المتاحة.
كما أن المصدر المطلع أوضح أن الهيئة تعاقدت مع الشركتين على توريد 13 قاطرة خلال السنوات الماضية بقيمة إجمالية بلغت 125 مليون يورو. البنك الأوروبي موّل نحو 100 مليون يورو من الصفقة، لكن الجزء المتبقي لم يُسدَّد كاملًا من جانب الهيئة. هذا التفصيل يبين أن القرض الجديد لا يبدأ صفقة جديدة، بل يكمل صفقة قديمة تعثر سدادها.
وفي هذا الإطار، يرى الخبير الاقتصادي مدحت نافع أن أخطر ما في التوسع بالاقتراض ليس حجم الدين فقط، بل استخدام الدين الجديد لتسوية التزامات سابقة من دون معالجة أصل الخلل المالي. هذا التوصيف ينطبق على وضع هيئة الأنفاق هنا، لأن الاقتراض لم يأت لإنتاج مورد إضافي مباشر، بل جاء لإغلاق فجوة قائمة في التزامات مستحقة.
اعتماد متواصل على التمويل الخارجي في قطاع النقل
ثم يكتسب القرض دلالة أوسع عندما يوضع داخل سياق وزارة النقل نفسها، لأن الوزير كامل الوزير قال في نهاية مارس إن قروض الوزارة تمثل نحو 12.5% من إجمالي ديون مصر، وتتراوح بين 18 و20 مليار دولار من إجمالي الدين الخارجي للدولة. هذا التصريح يضع القرض الجديد داخل هيكل مديونية أكبر يتجاوز حدود الهيئة وحدها.
وبسبب هذا الحجم من الالتزامات، لم يعد التمويل الخارجي في قطاع النقل مجرد أداة استثنائية تستخدم في أوقات محددة، بل تحول إلى مسار ثابت تعتمد عليه الجهات العامة في تنفيذ العقود وتسوية الالتزامات ومواصلة المشروعات. وعندما تصبح المرافق الحيوية مرتبطة بهذا القدر من الاقتراض، فإن كل تعثر في السداد يفتح الباب تلقائيًا أمام قرض إضافي جديد.
كما أن لجوء وزارة النقل إلى البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية من أجل إتاحة شريحة تمويلية إضافية يكشف أن العلاقات المستقرة مع المؤسسات المالية الدولية باتت جزءًا من إدارة الالتزامات اليومية للمرفق العام. هذه الصورة لا تعني فقط وجود ثقة من البنك في الحكومة، بل تعني أيضًا استمرار حاجة الحكومة إلى هذا التمويل لسد التزامات لم تتمكن من تسويتها داخليًا.
وفي هذا السياق، يؤكد الخبير الاقتصادي هاني توفيق أن الخطر يتضاعف عندما يتحول الاقتراض إلى وسيلة لسداد استحقاقات سابقة بدل أن يكون وسيلة لتمويل عائد اقتصادي جديد. أهمية هذا الرأي أنه يفسر كيف تتسع الديون عامًا بعد عام، لأن الجهة المقترضة لا تغلق الملف نهائيًا، بل تعيد تدوير العبء المالي في صورة قرض آخر.
الخط الثاني بين أهمية التشغيل وأزمة الالتزامات
ثم تزداد حساسية الملف لأن المستحقات المؤجلة ترتبط بالخط الثاني لمترو الأنفاق، وهو واحد من أهم خطوط النقل الجماعي في القاهرة الكبرى. هذا الخط بدأ تشغيله عام 1996، ويمتد لمسافة 21.6 كيلومترًا عبر 20 محطة، ويعمل بأسطول يبلغ 45 قطارًا تنفذ 664 رحلة يوميًا، من شبرا الخيمة شمالًا حتى المنيب جنوبًا.
ولذلك لا يمكن التعامل مع أزمة سداد مستحقات هذا الخط باعتبارها تفصيلًا ماليًا محدودًا داخل هيئة متخصصة، لأن أي خلل في تمويل الصيانة والتوريد في هذا المرفق ينعكس في النهاية على انتظام التشغيل وكفاءة الخدمة واستدامة المعدات. وعندما تضطر الهيئة إلى الاقتراض من أجل سداد متأخرات هذا الخط، فإن الأزمة تصبح مرتبطة مباشرة ببنية التشغيل نفسها.
كما أن انتظار صدور قرار جمهوري لإتمام القرض ثم إخطار البنك الأوروبي لتحويل الأموال مباشرة إلى الشركتين يوضح أن الهيئة لا تملك هامشًا ماليًا داخليًا واسعًا لتسوية الالتزام من مواردها الذاتية. هذا التطور يكشف أن المرفق الذي ينقل مئات الآلاف يوميًا يعمل تحت ضغط مالي يجعل تسوية التعاقدات الأجنبية مرهونة بقرض جديد وإجراءات سيادية كاملة.
وفي هذا المستوى، يرى الخبير الاقتصادي وائل النحاس أن اللجوء إلى الاقتراض لسداد التزامات قائمة يكشف ضعف القدرة على إدارة التدفقات النقدية في الجهات العامة، خاصة عندما يتعلق الأمر بمرافق خدمية لا يمكن تعطيلها. هذا الرأي يسلط الضوء على جوهر الأزمة هنا، لأن الهيئة لا تملك رفاهية تأجيل الخدمة لكنها تؤجل كلفة الالتزام حتى تعود إلى الاقتراض.
وأخيرًا، لا يفتح هذا القرض بابًا جديدًا للتطوير بقدر ما يكشف مأزقًا ماليًا قائمًا داخل قطاع النقل، عنوانه الواضح أن هيئة عامة اضطرت إلى اقتراض 25 مليون يورو فقط لسداد ديون سابقة لشركتين أجنبيتين. هذه الحقيقة وحدها تكفي لطرح سؤال جدي عن أسلوب إدارة العقود والالتزامات وعن حدود الاستمرار في ترحيل الأعباء من سنة إلى أخرى. وإذا استمر هذا المسار، فإن الاقتراض لن يبقى وسيلة استثنائية لتمويل التوسع، بل سيصبح أداة دائمة لتغطية ما كان يفترض سداده بالفعل، وهو ما يضاعف العبء المالي على الدولة ويكشف خللًا لا يجوز التعامل معه باعتباره إجراءً عاديًا.

