لم تعد أزمة إطفاء أعمدة الإنارة في الشوارع والمحاور الرئيسية شأنا خدميا يمكن عزله عن حياة الناس اليومية، بعدما ارتبطت مباشرة بتزايد الخوف من التحرش والسرقة بالإكراه في مناطق فقدت الحد الأدنى من الرؤية الليلية. وقد دفعت سياسة ترشيد استهلاك الكهرباء قطاعا واسعا من المواطنين إلى طرح سؤال واضح على الحكومة، وهو كيف تحولت إجراءات يفترض أنها اقتصادية إلى واقع يهدد الأمن الشخصي في الشارع.


https://www.youtube.com/watch?v=3PTg0NyXNKw

 

جاء هذا القلق بعدما دخلت خطة ترشيد الاستهلاك وتقنين إنارة الطرق حيز التنفيذ، فارتفعت الأصوات المحذرة من أن ظلام الشوارع لم يعد مجرد وسيلة لتقليل الاستهلاك، بل صار ثغرة مفتوحة في المجال العام. وأظهرت شكاوى المواطنين وطلبات النواب أن التراجع في الإنارة أصاب الإحساس بالأمان مباشرة، ووسع بيئة الجريمة، وجعل التنقل ليلا أكثر خطرا على النساء والمارة والسائقين.

 

طلبات الإحاطة تضع التحرش والسرقة بالإكراه في صدارة الأزمة

 

تصدرت أزمة إطفاء أعمدة الإنارة واجهة المشهد العام بعدما تحولت الشوارع الجانبية والطرق السريعة إلى مساحات أقل أمنا مع هبوط مستويات الإضاءة. وقد ربط مواطنون بين هذا التحول وبين تزايد الخوف من التعرض لتحرش أو اعتداء أو سرقة بالإكراه، لأن ضعف الرؤية يمنح المعتدي فرصة أكبر ويقلل قدرة الضحية على الاستغاثة أو التعرف على الجناة.

 

لذلك تقدم عدد من النواب بطلب إحاطة عاجل إلى الحكومة تحت عنوان واضح يقول إن أعمدة الإنارة أمن قومي. وقد أكد النواب أن استمرار سياسة إطفاء الأنوار في الشوارع الجانبية والطرق السريعة أدى إلى حالة من الظلام الدامس استغلها الخارجون على القانون، وهو ما جعل الاعتراض البرلماني مرتبطا مباشرة بحماية الناس لا بمجرد مراجعة قرار إداري.

 

ثم أوضح النواب في طلبهم أن غياب الرؤية الليلية يرفع بشكل مباشر معدلات جرائم السرقة بالإكراه والتحرش وتجارة المواد المخدرة. ويكشف هذا التوصيف أن جوهر الأزمة لم يعد متعلقا بالراحة البصرية أو الخدمة العامة، بل بوجود بيئة ليلية أقل ردعا وأكثر ملاءمة لوقوع الجريمة، خاصة في المناطق التي تزدحم بالحركة أو تفتقر أصلا إلى الرقابة الكافية.

 

وفي هذا السياق قال اللواء طارق أبو سريع، الخبير الأمني، إن خفض الإنارة في الشوارع والممرات المفتوحة يضعف القدرة الوقائية للمكان، لأن الإضاءة عنصر مساعد في الردع وفي سرعة التدخل. ويعني هذا التقدير أن التحذير من التحرش والسرقة بالإكراه ليس مبالغة سياسية، بل قراءة عملية لطبيعة الجرائم التي تنتعش حين تتراجع الرؤية العامة في الشارع.

 

تقرير البرلمان يرصد اتساع الخطر من الجريمة إلى الحوادث والدهس

 

لم تتوقف التحذيرات عند الشق الجنائي، لأن التقرير البرلماني رصد أيضا زيادة في بلاغات حوادث السير والدهس على الطرق السريعة التي تفتقر إلى الإضاءة الكافية. ويعني هذا الرصد أن الحكومة لم تكتف بفتح ثغرة أمنية داخل الأحياء والمناطق السكنية، بل وسعت أثر القرار إلى طرق يحتاج العبور فيها إلى رؤية دقيقة لا تحتمل هذا المستوى من التعتيم.

 

كما أشار المواطنون في شكاوى متعددة إلى أن ظلام الشوارع يحول دون رصد بلاعات الصرف المكشوفة أو العوائق الموجودة على الطرق. وبسبب ذلك لم يعد الخطر مقصورا على احتمالات الجريمة، لأن المشاة أنفسهم صاروا معرضين للسقوط أو الدهس أو الاصطدام أثناء حركة عادية ليلا في شوارع يفترض أن تكون مؤمنة ومجهزة بخدمة إنارة مستقرة.

 

وبسبب هذا التداخل بين الخطر الجنائي والخطر المروري، تصبح القيادة ليلا في الطرق غير المضاءة مغامرة غير مأمونة العواقب. فالسائق الذي يفقد مساحة الرؤية الأمامية لا يستطيع تقدير العائق في الوقت المناسب، والمشاة الذين يتحركون في شارع معتم يفقدون القدرة على تجنب الحفرة أو المركبة أو الحافة الخطرة، وهو ما ينقل كلفة الترشيد مباشرة إلى سلامة الأجساد.

 

وفي هذا الإطار قال الدكتور حسن مهدي، أستاذ هندسة الطرق والنقل، إن سلامة الطريق لا ترتبط بحالة الرصف فقط، بل ترتبط أيضا بجودة الرؤية والعلامات والإنارة. ويؤكد هذا التقدير أن إطفاء الأعمدة لا يمكن التعامل معه كإجراء محايد، لأن الطريق الذي يفقد الإنارة الكافية يفقد معها شرطا أساسيا من شروط الأمان، خاصة في ساعات الليل والسرعات العالية.

 

الهضيبي يطالب بمراجعة السياسة قبل اتساع آثارها الاجتماعية والأمنية

 

من جانبه تقدم الدكتور ياسر الهضيبي، وكيل لجنة حقوق الإنسان بمجلس النواب، بطلب إحاطة إلى رئيس مجلس الوزراء ووزيري التنمية المحلية والكهرباء والطاقة المتجددة، بشأن تصاعد مخاطر الظلام الدامس في الشوارع نتيجة إجراءات ترشيد استهلاك الكهرباء. وقد ربط الهضيبي بين هذا الظلام وبين تحوله إلى بيئة محفزة لانتشار الجريمة وتهديد سلامة المواطنين في وقت واحد.

 

وقال الهضيبي إن التوسع في تطبيق سياسات ترشيد استهلاك الكهرباء أظهر على الأرض تداعيات واضحة تتعلق بمستوى إنارة الشوارع في مختلف المحافظات. وأضاف أن هذه الإجراءات انعكست مباشرة على كفاءة الإضاءة في مناطق عديدة، وهو ما أدى إلى غرق بعض المناطق في ظلام دامس، وانعكس سلبا على إحساس المواطنين بالأمان، خاصة خلال ساعات الليل.

 

ثم أوضح الهضيبي أن هذا الوضع تزامن مع تزايد القلق من احتمالات التعرض لوقائع السرقة أو الاعتداء، لأن البيئة أصبحت أكثر ملاءمة لارتكاب الجرائم مع ضعف الرؤية وغياب الإنارة الكافية. ويضع هذا التصريح التحرش والسرقة بالإكراه في مركز القضية، لأن فقدان الإضاءة لا ينتج خوفا عاما فقط، بل يرفع احتمال الاعتداء المباشر على الأشخاص في الطريق.

 

وأضاف وكيل لجنة حقوق الإنسان أن إدراك أهمية ترشيد الطاقة في ظل التحديات الاقتصادية لا ينبغي أن يتم على حساب سلامة المواطنين. وقال إن إنارة الشوارع تمثل إحدى الركائز الأساسية لضبط الأمن العام والحد من الظواهر الإجرامية، وهو ما يعني أن أي خطة ترشيد لا تراعي هذا البعد تتحول من سياسة خدمية إلى قرار يضغط على الأمن الاجتماعي بصورة مباشرة.

 

ولفت الهضيبي إلى أن الأمر يطرح تساؤلات جوهرية حول آليات تنفيذ خطط الترشيد ومدى مراعاتها لاختلاف طبيعة المناطق، خصوصا المناطق ذات الكثافة السكانية العالية أو التي تشهد حركة مستمرة. ولذلك طالب بإعادة تقييم سياسات ترشيد إنارة الطرق وظلام الشوارع، ووضع حلول أكثر توازنا تضمن كفاءة استهلاك الطاقة من دون الإخلال بالأمن العام.

 

وفي هذا السياق قال الدكتور رمضان أبو العلا، أستاذ هندسة البترول والطاقة، إن ترشيد استهلاك الطاقة قد يكون ضروريا في أوقات الضغط الاقتصادي، لكن نجاحه يتوقف على طريقة التطبيق وعلى احترام أولويات الخدمة العامة. ويعني هذا التقدير أن خفض الإنارة لا يجوز أن ينفذ بصورة عمياء، لأن الدولة حين توفر في الكهرباء على حساب الأمان تدفع المجتمع ثمنا أكبر.

 

كما شدد الهضيبي على ضرورة التوسع في استخدام تقنيات الإضاءة الموفرة، أو تطبيق نظام يضمن الحد الأدنى من الإضاءة في مختلف المناطق. ويكشف هذا الطرح أن الاعتراض البرلماني لا يرفض مبدأ الترشيد من أساسه، لكنه يرفض أن تتحول الشوارع إلى مساحات معتمة تسهل فيها السرقة بالإكراه والتحرش، ويصعب فيها على المواطن أن يتحرك أو يدافع عن نفسه.

 

وهكذا لم تعد أزمة أعمدة الإنارة مجرد شكوى من ضعف خدمة، لأن جوهرها صار مرتبطا بحق الناس في شارع آمن لا يفتح باب التحرش ولا يمنح اللص فرصة أسهل للاعتداء تحت غطاء الظلام. وإذا كانت الحكومة قد قدمت الترشيد باعتباره ضرورة اقتصادية، فإن الوقائع التي دفعت النواب إلى التحرك تؤكد أن كلفة القرار تجاوزت الكهرباء إلى أمن المواطن نفسه، وهذا هو جوهر القضية الذي لم يعد ممكنا التستر عليه.