بعد أكثر من عامين على اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر 2023، يواجه الاقتصاد الإسرائيلي واحدة من أعقد مراحله منذ عقود، مع تصاعد غير مسبوق في الإنفاق العسكري واتساع العجز المالي، ما يضع حكومة الاحتلال أمام اختبار قاسٍ بين تمويل الحرب والحفاظ على الاستقرار الاقتصادي الداخلي.

 

فبينما دخلت إسرائيل الحرب بقاعدة اقتصادية قوية نسبيًا، تشير المؤشرات الحالية إلى أن استمرار العمليات العسكرية وتوسّعها إقليميًا بدأ يستنزفان هذه القاعدة تدريجيًا، ليتحول الاقتصاد من عنصر دعم رئيسي للمجهود الحربي إلى عامل ضغط قد يقيّد استمراره.

 

من قوة اقتصادية إلى ضغط متزايد

 

عشية الحرب، بدت المؤشرات الاقتصادية لإسرائيل مستقرة؛ حيث سجلت توقعات نمو عند نحو 3%، مع بطالة منخفضة بلغت قرابة 3.5%، وتضخم معتدل عند 3.8%، إلى جانب عجز مالي محدود لم يتجاوز 1.5% من الناتج المحلي، ودين عام مستقر عند حدود 60%.

 

لكن مع توسّع رقعة الصراع لتشمل جبهات متعددة، ارتفعت الكلفة الاقتصادية بوتيرة متسارعة، وسط تقديرات تشير إلى أن إجمالي تكاليف الحرب قد يصل إلى نحو 350 مليار شيكل (قرابة 97 مليار دولار)، وهو ما أدى إلى قفزة ملحوظة في مستويات الدين والعجز.

 

هذا التحول يطرح تساؤلًا جوهريًا: هل لا يزال الاقتصاد الإسرائيلي قادرًا على تمويل الحرب، أم أنه بات عبئًا يهدد استمراريتها؟

 

جيش الاحتلال يلتهم الميزانية

 

شهدت ميزانية الدفاع قفزات تاريخية خلال سنوات الحرب، حيث ارتفعت من نحو 60 مليار شيكل في 2023 إلى قرابة 99 مليارًا في 2024، ثم إلى نحو 109.8 مليارات في 2025، مع مقترح بزيادتها إلى 130 مليار شيكل في 2026.

 

وبذلك أصبحت النفقات العسكرية تمثل نحو 7% من الناتج المحلي الإجمالي، أي ما يقارب ضعف مستويات ما قبل الحرب، في واحدة من أعلى النسب تاريخيًا.

 

هذا التصاعد الحاد لم يُموَّل عبر زيادة الإيرادات، بل اعتمد بشكل أساسي على الاقتراض وتوسيع العجز، إلى جانب تقليص مخصصات قطاعات مدنية، ما يعكس إعادة هيكلة قسرية لأولويات الإنفاق الحكومي.

 

عجز متضخم ودين يتسارع

 

الضغوط المالية انعكست بوضوح على العجز الحكومي، الذي قفز من 1.3% قبل الحرب إلى 4.2% في 2023، ثم إلى نحو 7% في 2024، قبل أن يتراجع نسبيًا إلى 5.9% في 2025.

 

ورغم استهداف حكومة الاحتلال خفضه إلى 4.5% في 2026، فإن استمرار الحرب يجعل هذا الهدف صعب التحقيق.

 

في المقابل، يتجه الدين العام نحو تجاوز 70% من الناتج المحلي، في ظل اعتماد متزايد على الاقتراض الخارجي، ما يرفع مخاطر الضغط على التصنيف الائتماني والاستقرار المالي.

 

كما تتزايد المخاوف من عودة التضخم للارتفاع، مدفوعًا بارتفاع أسعار الطاقة واضطرابات سلاسل الإمداد، وهو ما قد يدفع البنك المركزي إلى تأجيل خفض أسعار الفائدة.

 

تحسن نسبي... لا ينعكس ماليًا

 

رغم هذه التحديات، سجّل الاقتصاد الإسرائيلي بعض مؤشرات التعافي، حيث نما الناتج المحلي بنسبة 3.1% في 2025 مقارنة بـ1% في 2024.

 

لكن هذا التحسن لم ينعكس على المالية العامة، إذ بلغ العجز نحو 110 مليارات شيكل، مع استمرار صعود الدين إلى قرابة 69% من الناتج.

 

ويعني ذلك أن النمو الاقتصادي الحالي لا يزال هشًا، وغير قادر على موازنة الضغوط الناتجة عن الحرب، خاصة مع استمرار الإنفاق العسكري المرتفع.

 

ضغوط متزايدة ومخاطر مستقبلية

 

تشير التقديرات إلى أن استمرار الحرب قد يؤدي إلى: تباطؤ النمو الاقتصادي، وارتفاع معدلات التضخم، وتراجع الإيرادات الضريبية، وزيادة كلفة خدمة الدين.

 

كما أن قدرة الولايات المتحدة على تقديم دعم مالي إضافي قد تكون محدودة في ظل انخراطها في الصراع، ما يزيد من تعقيد المشهد المالي أمام حكومة الاحتلال.