كشف قرار الحكومة رفع أسعار الوقود، فجر 10 مارس، عجزها الكامل عن ضبط السوق بعد أن قفزت الأسعار من محطات البنزين إلى المواصلات والخبز والدواجن ومواد البناء خلال أيام قليلة.

فقد ارتفع بنزين 95 إلى 24 جنيهًا للتر، و92 إلى 22.25 جنيهًا، و80 إلى 20.75 جنيهًا، والسولار إلى 20.50 جنيهًا، وغاز السيارات إلى 13 جنيهًا للمتر المكعب، كما صعدت أسطوانة البوتاغاز المنزلية إلى 275 جنيهًا والتجارية إلى 550 جنيهًا.

 

لم يكن القرار مجرد تعديل سعري عابر.

كان إشارة مباشرة إلى السوق بأن الدولة رفعت التكلفة ثم انسحبت، تاركة المنتج والتاجر والناقل ينقلون الصدمة إلى المواطن بلا كوابح حقيقية.

وجاء ذلك بينما تسارع التضخم الحضري في فبراير إلى 13.4% مقابل 11.9% في يناير، بما يعني أن الغلاء كان قائمًا أصلًا قبل صدمة الوقود، ثم تلقى دفعة جديدة أكثر قسوة.

 

وقود أغلى وسوق بلا فرامل

 

الصدمة كانت فورية لأن السولار ليس سلعة جانبية، بل هو وقود النقل والتوزيع والإنتاج.

لذلك حذر الدكتور مدحت نافع من أن زيادة أسعار الوقود تحمل أثرًا تضخميًا مباشرًا، وأن تكلفة النقل تدخل في أسعار معظم السلع، وهو ما يضغط أولًا على الشرائح الأقل دخلًا التي لا تملك هامشًا لامتصاص الصدمات السعرية.

 

وهذا ما بدأ يظهر سريعًا على الأرض. فبعد الزيادة تحركت تعريفة المواصلات في محافظات عدة، وظهرت توقعات بارتفاع معدل التضخم بين 2% و3% إضافية خلال الفترة المقبلة، مع ترقب مستويات قد تصل إلى 15% أو 16% إذا استمرت الضغوط الحالية.

 

وفي موازاة ذلك، رُصدت زيادات في سلع أساسية مثل الدواجن، وبدأت مصانع مواد البناء مراجعة أسعارها بعد صعود تكلفة النقل والطاقة.

 

الدكتور محمد فؤاد لخص المأزق بوضوح حين قال إن زيادة 3 جنيهات في البنزين قد توفر نظريًا أموالًا للموازنة، لكن التضخم الناتج عنها قد يؤخر خفض الفائدة، فتلتهم تكلفة خدمة الدين هذا الوفر تقريبًا.

هذا يعني أن الحكومة لا تفرض فقط عبئًا جديدًا على المواطنين، بل قد تفشل حتى في جني المكسب المالي الذي تبرر به القرار.

 

هكذا تتحول السياسة الاقتصادية إلى دائرة مغلقة. الدولة ترفع الوقود بحجة الضغوط، فيرتفع التضخم، فتتأجل أي مساحة لخفض الفائدة أو تهدئة السوق، ثم يُطلب من الناس تحمل النتيجة على أنها إصلاح. لكن ما يراه المواطن في النهاية ليس إصلاحًا، بل أجرة أعلى، وسعر خبز أعلى، وقدرة شرائية تتآكل كل أسبوع.

 

الخبز يكشف عطب المنظومة

 

بعد 4 أيام فقط من قرار الوقود، أصدرت وزارة التموين التوجيه الوزاري رقم 5 لسنة 2026 لتنظيم أسعار الخبز الحر و"الفينو" وأوزانهما.

وحدد القرار سعر الرغيف الحر وزن 80 جرامًا عند 2 جنيه، و60 جرامًا عند 1.5 جنيه، و40 جرامًا عند جنيه واحد، كما حدد "الفينو" وزن 50 جرامًا عند 2 جنيه، و40 جرامًا عند 1.5 جنيه، و30 جرامًا عند جنيه واحد.

 

القرار لم يحمِ المستهلك. القرار اعترف فقط بأن الزيادة وقعت وجرى تقنينها.

فخالد فكري، سكرتير شعبة المخابز بغرفة القاهرة التجارية، كان قد أكد أن أسعار الخبز السياحي سترتفع بسبب زيادة السولار والدقيق، وأن سعر الرغيف قد يصل إلى 2.5 جنيه في بعض المناطق مع قفزة أسعار الدقيق بنحو 2000 إلى 2500 جنيه للطن.

 

صحيح أن الحكومة كررت أنها لن تمس سعر الخبز البلدي المدعم، لكن هذا لا يحل الأزمة الفعلية.

فبيانات منشورة في فبراير تشير إلى أن 71 مليون مواطن يحصلون على دعم الخبز التمويني، و63 مليونًا على الدعم التمويني، بينما يبقى ملايين آخرون خارج هذه المظلة أو مضطرين عمليًا إلى شراء الخبز الحر بسبب رداءة الرغيف المدعم أو سوء توزيعه أو فساد التطبيق على الأرض.

 

هنا تنكشف المشكلة الحقيقية. المنظومة الرسمية تتحدث عن دعم قائم، لكن أحياء كثيرة تعرف واقعًا آخر: رغيف منخفض الجودة، شكاوى من نقص الوزن، وتفضيل لشراء الخبز السياحي رغم كلفته لأنه أكثر صلاحية للاستهلاك.

وعندما يرتفع سعر هذا الخبز الحر بنسبة تصل إلى 25% بعد الوقود، فإن الحكومة لا تكون قد حافظت على الأمن الغذائي، بل دفعت الفقراء إلى دفع الفاتورة مرتين؛ مرة من الضرائب والرسوم، ومرة من لقمة العيش نفسها.

 

أجور محدودة وغلاء شامل

 

في مواجهة هذا الانفلات، يجري الحديث عن رفع الحد الأدنى للأجور في القطاع الخاص إلى 8 آلاف جنيه بدلًا من 7 آلاف، بحسب ما قاله علاء السقطي، مع الإقرار بالحاجة إلى آلية واضحة وملزمة للشركات لتطبيق أي زيادة جديدة.

هذا الاعتراف وحده كافٍ لفهم الأزمة: حتى الزيادات المعلنة أو المتوقعة لا تصل تلقائيًا إلى العاملين، لأن جزءًا معتبرًا من القطاع الخاص لا يطبق الحدود المقررة أصلًا إلا بضغط متأخر أو ناقص.

 

كما أن شريحة المستفيدين من أي زيادة مباشرة أضيق كثيرًا مما توحي به البيانات الرسمية.

فالجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أعلن أن عدد العاملين في القطاع العام وقطاع الأعمال العام هبط إلى 620.1 ألف عامل في 2024 مقابل 663.3 ألفًا في 2023، بانخفاض 6.5%.

هذا التراجع يكشف أن دوائر الأجر الحكومي المنظم تضيق، بينما الغلاء يضرب الجميع بلا استثناء.

 

المفارقة القاسية أن الأسعار ترتفع على 109 ملايين مواطن تقريبًا، بينما الزيادات المباشرة في الأجور تظل محصورة في قطاعات محددة، أو مؤجلة، أو غير مطبقة بصرامة في القطاع الخاص.

لذلك تتحول أي زيادة اسمية في الدخل إلى رقم يأكله السوق سريعًا، خصوصًا مع ارتفاع أسطوانة الغاز، وتعريفة المواصلات، وكلفة الغذاء اليومي، قبل أن يصل الموظف إلى منتصف الشهر.

 

الخلاصة التي تفرضها الأرقام واضحة. الحكومة لا تضبط الأسعار، بل تطلق شرارة الغلاء ثم تراقب انتقالها من بند إلى آخر.

رفعت الوقود، فقفزت تكلفة النقل، ثم الخبز، ثم السلع، ثم صار الحديث عن زيادة أجور محدودة وكأنه علاج، بينما المرض الحقيقي أعمق: غياب السيطرة على السوق، وعجز مزمن عن حماية القوة الشرائية، وسياسة تجعل المواطن دائمًا آخر من يُحسب له الحساب.