كشفت تسريبات وتحركات حكومية متزامنة أن ملف الطاقة عاد إلى صدارة الجباية الرسمية، مع اقتراب مراجعة أسعار الوقود والكهرباء في وقت يواجه فيه المصريون أصلًا ضغوطًا معيشية حادة.
رئيس الوزراء مصطفى مدبولي قال في مارس 2026 إن الحكومة قد تلجأ إلى “إجراءات استثنائية مؤقتة” إذا دفعت الحرب في المنطقة أسعار النفط والغاز إلى مستويات خارجة عن السيطرة، بينما تنتظر السوق اجتماع لجنة التسعير التلقائي للمواد البترولية خلال مارس قبل قرار محتمل في أبريل.
وفي الوقت نفسه، تتضارب التقديرات بشأن الكهرباء بين حديث عن زيادات جديدة، وتقارير أخرى ترجح تأجيل أي تعديل إلى نهاية السنة المالية أو بداية الموازنة الجديدة في يوليو. هذه الصورة في مجملها لا تعني شيئًا واحدًا فقط: الحكومة تجهز الأرض لرفع جديد، بينما تترك المجتمع كله في حالة ترقب وقلق مفتوح.
المشكلة أن السلطة لا تقدم هذه الزيادات باعتبارها خيارًا سياسيًا تتحمل مسؤوليته، بل باعتبارها “حتمية” تفرضها الحرب والأسواق العالمية وسعر الصرف. هذا التبرير ناقص. نعم، النفط ارتفع، والدولار تحرك، لكن مصر لم تصل إلى هذه الدرجة من الهشاشة في ملف الطاقة بسبب الحرب وحدها. هي وصلت إليها بعد سنوات من تقليص الدعم تدريجيًا والارتهان لتكلفة الاستيراد، ثم التعامل مع كل موجة خارجية باعتبارها ذريعة جاهزة لتمرير عبء جديد إلى المستهلك. والنتيجة أن أي قفزة في الطاقة تتحول فورًا إلى تهديد مباشر لأسعار الغذاء والنقل والإنتاج.
الوقود أولًا.. الدولة تعيد تحميل السوق تكلفة أزمتها
المؤكد أن لجنة التسعير التلقائي هي الأداة التي تستخدمها الحكومة منذ سنوات لتمرير زيادات الوقود على فترات، بعد أن رفعت الأسعار في أبريل 2025 بنسب قاربت 15%، ثم عادت في أكتوبر 2025 إلى زيادة أخرى قبل أن تتحدث عن تجميد مؤقت. لكن تجميدًا كهذا لم يصمد طويلًا أمام عودة الضغوط الإقليمية، ومع ارتفاع النفط فوق 100 دولار للبرميل في بعض التعاملات الأخيرة، عاد الحديث عن سيناريوهات تتراوح بين زيادة محدودة وأخرى أكبر قد تطال البنزين والسولار معًا. واللافت أن الخطاب الرسمي لا يناقش أثر ذلك على الناس، بل يناقش فقط حجم الزيادة الأنسب لتمريرها بأقل ضجيج سياسي ممكن.
اقتصاديًا، مصر ليست في وضع يسمح لها بامتصاص هذه القفزات بسهولة. بيانات الطاقة الدولية تظهر أن إنتاج الخام المصري يدور حول 519 ألف برميل يوميًا في أحدث القراءات الشهرية، بينما يظل الاستهلاك المحلي أعلى بكثير، ما يفرض فاتورة استيراد مستمرة ويجعل السوق المحلية أكثر حساسية لأي تحرك خارجي. هذا الفارق بين الإنتاج والاستهلاك لا يبرر وحده الزيادة، لكنه يفسر لماذا تظل الحكومة أسرع إلى رفع الأسعار من بحثها عن حلول هيكلية تقلل الانكشاف. بعبارة مباشرة: الدولة تعرف أن لديها فجوة، لكنها تعالجها دائمًا من جيب المواطن.
الدكتور إسلام جمال الدين وضع 3 سيناريوهات لتحرك الدولار وأسعار الطاقة محليًا مع استمرار الحرب: ارتفاع تدريجي إذا استمرت الأزمة لأسبوعين، وضغوط أشد إذا امتدت لأكثر من شهر، وقفزة قد تدفع الدولار إلى ما فوق 55 جنيهًا إذا طال أمدها أكثر من شهرين. أهمية هذا الطرح أنه يربط بين الوقود وسعر الصرف مباشرة. أي زيادة جديدة في المحروقات لن تقع في فراغ، بل في اقتصاد يتلقى الضربتين معًا: ارتفاع تكلفة الاستيراد وارتفاع تكلفة النقل والإنتاج الداخلي.
الكهرباء بعد الوقود.. تأجيلات متكررة لا تلغي نية الزيادة
ملف الكهرباء لا يبدو أهدأ كثيرًا، حتى لو لم تحسم الحكومة توقيت الزيادة المقبلة بشكل نهائي. تقارير منشورة في فبراير 2026 تحدثت عن تجميد أسعار الكهرباء حتى يونيو لإعطاء مساحة لسياسة نقدية أقل تشددًا، مع ترجيح أن تأتي أي زيادة في الربع الأخير من السنة المالية أو مع بداية الموازنة الجديدة في يوليو. وفي المقابل، ظلت تقارير أخرى تتحدث منذ أواخر 2025 عن اتجاه لرفع الشرائح بين 15% و25% أو أكثر، مع تركيز خاص على الشرائح الأعلى استهلاكًا. المعنى هنا واضح: التأجيل لا يساوي الإلغاء، بل يعني فقط أن الحكومة تبحث عن التوقيت السياسي والمالي الأنسب.
وهنا تظهر مفارقة شديدة القسوة. الدولة تقول إنها تحاول تخفيف العبء على الشرائح الأقل استهلاكًا، لكنها في الواقع تُبقي المجتمع كله تحت التهديد الدائم بفاتورة أعلى، بينما تظل تكلفة الكهرباء عنصرًا ضاغطًا على المصانع والمحال والخدمات. أي زيادة في الشرائح العليا لا تتوقف عند أصحاب الاستهلاك المرتفع فقط، بل تنتقل سريعًا إلى أسعار السلع والخدمات لأن أصحاب الأعمال يعيدون تحميلها للمستهلك النهائي. لذلك فخطاب “حماية الشرائح الضعيفة” يبدو أقرب إلى تجميل سياسي لقرار يعرف الجميع نتيجته الحقيقية.
الدكتور محمد فؤاد قال بوضوح إن رفع تعريفة الكهرباء في مصر ليس مسألة “إذا” بل “متى”، بسبب الفجوة المستمرة بين تكلفة الإنتاج والسعر الذي يدفعه المستهلك. هذا التقدير ينسجم مع مسار الحكومة نفسه، لكنه يكشف أيضًا ما تحاول السلطة إخفاءه: أن الدولة لا تبحث عن إصلاح شامل لمنظومة الطاقة بقدر ما تواصل ترحيل كلفتها تدريجيًا إلى الناس. والمشكلة ليست في هذا الاعتراف وحده، بل في غياب أي ضمانات فعلية تمنع تحول الزيادة إلى موجة تضخم جديدة تتجاوز الطاقة نفسها إلى كل سلعة وخدمة تقريبًا.
التضخم ينتظر.. والحكومة تعرف ثم تمضي
الضربة الأوسع لن تكون في محطة الوقود أو فاتورة الكهرباء وحدهما، بل في السوق كلها. الدراسات الاقتصادية الخاصة بمصر والمنطقة تشير إلى أن صدمات الوقود تنتقل سريعًا إلى الغذاء والنقل، وأن زيادة صغيرة نسبيًا في أسعار المحروقات يمكن أن تخفض الدخل الحقيقي للأسر بشكل ملموس بسبب التضخم الناتج عن التكلفة. وهذا بالضبط ما يجعل أي قرار جديد في الطاقة قرارًا سياسيًا بامتياز، لا مجرد تعديل فني. حين ترتفع كلفة السولار والبنزين والكهرباء، ترتفع معها الخضروات والخبز غير المدعم والمواصلات ومواد البناء وأي سلعة تمر في سلسلة إنتاج أو نقل.
الخبير المصرفي محمد عبد العال كان قد وصف 2026 بأنه “عام الاختبار الحقيقي” للجنيه والاقتصاد المصري تحت ضغط العوامل الداخلية والخارجية. وإذا كان هذا صحيحًا في ملف الصرف، فهو أكثر صحة في ملف الطاقة. لأن الحكومة، بدل أن تستخدم الأدوات المالية والضريبية والتشغيلية لتخفيف الصدمة، تبدو أقرب إلى إعادة تدوير الوصفة نفسها: زيادات جديدة، ووعود بأنها “مؤقتة”، ثم انتظار أن يتحمل السوق والمواطن بقية الألم. هذا ليس إصلاحًا. هذا نقل مستمر للأزمة من دفاتر الدولة إلى جيب المجتمع.
الخلاصة أن ما يجري الآن ليس مجرد دراسة “سيناريوهات” كما تقول الحكومة، بل تمهيد منظم لرفع جديد في الوقود والكهرباء تحت ضغط الحرب وأسعار النفط والدولار. قد يختلف الموعد بين أبريل ويوليو في الكهرباء، وقد تختلف نسبة الزيادة في الوقود، لكن الاتجاه واحد وواضح. السلطة تريد تخفيف عبء الموازنة على حساب الناس، فيما يعرف الجميع أن أي زيادة في الطاقة ستفتح باب غلاء جديد لا يقتصر على البنزين أو الفاتورة الشهرية، بل يطال حياة المصريين كلها من أول المواصلات حتى آخر رغيف غير مدعوم.

