أعادَ التأهب الأوروبي في قبرص فتح سؤال لم يعد يخص الجزيرة وحدها: هل تتحرك أوروبا لحماية دولة عضو في الاتحاد بعد أن وصلت الحرب إليها، أم أنها تنزلق عمليًا إلى دور مساند للحملة الأمريكية على إيران من دون إعلان صريح؟

 

الوقائع المؤكدة حتى الآن تقول إن فرنسا أرسلت فرقاطة ومنظومات دفاع جوي إلى قبرص، وإن اليونان دفعت بطائرات F-16، وإن أصولًا عسكرية من دول أوروبية عدة تمركزت أو تستعد للتمركز قرب الجزيرة، وذلك بعد ضربة بطائرة مسيرة استهدفت قاعدة أكروتيري البريطانية في 2/3/2026. لكن الوقائع نفسها تقول أيضًا إن قبرص شددت على أنها لن تشارك في أي عمليات عسكرية، وإن أوروبا لا تزال منقسمة ومتفاجئة بالحرب أكثر مما هي مستعدة لها.

 

المشكلة أن هذا التفريق بين “الدفاع” و”المشاركة” يبدو أضعف كل يوم. فحين تتحول قبرص إلى مركز تجمع بحري وجوي أوروبي تحت ضغط حرب تقودها واشنطن وتل أبيب، يصبح من الصعب إقناع الرأي العام بأن كل هذا الحشد معزول تمامًا عن مسار الحملة نفسها. ما يجري الآن لا يثبت أن أوروبا دخلت الحرب رسميًا، لكنه يثبت أن الجغرافيا القبرصية تُسحب بسرعة إلى قلبها، وأن الخط الفاصل بين حماية الجزيرة وتوفير بنية دعم لعمليات أمريكية بات رفيعًا للغاية.

 

قبرص تحت الضغط.. والوجود الأوروبي يتمدد

 

الحدث المفصلي كان ضربة الطائرة المسيرة التي أصابت قاعدة أكروتيري البريطانية في 2/3/2026 وتسببت في أضرار محدودة من دون قتلى، بحسب ما نقلته رويترز. أهمية الضربة لا تكمن في حجم الضرر، بل في معناها السياسي: للمرة الأولى خلال هذه الحرب يصل الرد إلى قاعدة بريطانية على أرض قبرص، أي إلى نقطة تماس مباشرة بين حرب الشرق الأوسط والأراضي الأوروبية. وبعدها مباشرة بدأت أوروبا تتحرك عسكريًا حول الجزيرة. فرنسا أرسلت الفرقاطة Languedoc ومنظومات مضادة للمسيرات والصواريخ، والرئيس إيمانويل ماكرون زار قبرص ليؤكد “التضامن الأوروبي”، فيما جرت لقاءات في قاعدة جوية قبرصية بحضور رئيس قبرص ورئيس وزراء اليونان.

 

لكن اللافت أن هذا الحشد ترافق مع خطاب رسمي حذر. AP نقلت بوضوح أن القادة شددوا على خفض التصعيد وأكدوا أن قبرص لن تشارك في أي عمليات عسكرية. هذا مهم لأنه يكشف حجم الحرج. أوروبا تريد أن تظهر أنها لا تترك دولة عضوًا تحت التهديد، لكنها تعرف أيضًا أن أي خطوة زائدة قد تضعها في خانة الشريك الفعلي في الحرب الأمريكية على إيران. لذلك يبدو المشهد مزدوجًا: تعزيز دفاعي معلن، وإنكار متكرر لأي دور هجومي.

 

الدبلوماسي الفرنسي السابق بيير فيمون كتب في 3/3/2026 أن رد أوروبا على الحرب في إيران كان “باهتًا ومفككًا”، وأنها انتقلت من دور دبلوماسي مركزي في الملف الإيراني إلى موقع المتفرج. هذا التوصيف يفسر كثيرًا من سلوك أوروبا في قبرص. فهي لا تملك قرار الحرب، لكنها تُجبر الآن على إدارة آثارها المباشرة على حدودها ومصالحها وقواعدها. لذلك فإن الحشد في قبرص يبدو أقل تعبيرًا عن استراتيجية أوروبية مستقلة، وأكثر تعبيرًا عن رد فعل دفاعي على حرب فُرضت عليها من الخارج.

 

أوروبا منقسمة.. وواشنطن لم تستشر أحدًا

 

الصورة تصبح أوضح إذا نُظر إلى ما تقوله مراكز التفكير الأوروبية والأمريكية عن طريقة إدارة الحرب. مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي نشر في 6/3/2026 أن الولايات المتحدة أطلقت عمليتها العسكرية ضد إيران “من دون تشاور يُذكر” مع حلفائها الأوروبيين، وأن الأوروبيين وجدوا أنفسهم يهرعون للرد على نزاع لم يتوقعوه ولم يستعدوا له. هذا ليس تفصيلًا دبلوماسيًا. هذه هي العقدة الأساسية: أوروبا تُطلب منها القواعد والتسهيلات والاصطفاف السياسي، لكنها لا تُستشار فعليًا في قرار الحرب ولا في سقفها ولا في نهايتها.

 

الأمر نفسه يظهر في تقييم معهد الاتحاد الأوروبي للدراسات الأمنية. مديره ستيفن إيفرتس كتب في 2/3/2026 أن أوروبا “على الهامش”، وأنها لم تُستشر منذ البداية، وأنها “لا تشارك مباشرة في العمليات الهجومية”. لكنه أضاف ما هو أخطر: الصواريخ والمسيرات تتجه الآن حتى نحو قبرص، وإن المصالح الأوروبية في الاستقرار والطاقة والمصداقية باتت على المحك. هنا المفارقة كاملة. أوروبا ليست شريكًا كامل القرار، لكنها ليست خارج الميدان أيضًا. إنها عالقة بين التبعية الاستراتيجية لواشنطن وبين كلفة جغرافية وأمنية تتزايد على أراضيها.

 

وفي التفاصيل الأكثر حساسية، أشار التحليل نفسه إلى أن المثال الوحيد الواضح حتى الآن على السماح باستخدام أراضٍ مرتبطة بأوروبا في الضربات هو بريطانيا، التي وافقت على استخدام قواعدها “لأغراض دفاعية فقط”. هذه العبارة وحدها تكشف طبيعة اللغة السياسية المستخدمة لتمرير الانخراط التدريجي. فكل طرف يحاول أن يضع قيدًا لفظيًا على مشاركته، لكن هذه القيود لا تغير الحقيقة الكبرى: القواعد موجودة، والتجهيزات موجودة، والحرب توسعت بما يكفي لجعل أي بنية دعم لوجستي أو دفاعي جزءًا من المعركة، حتى لو لم تُسقط الطائرات الأوروبية القنابل بنفسها.

 

الجزيرة تدفع الثمن.. والاقتصاد والأمن معًا في مرمى الحرب

 

الخاسر الأول من هذا التأهب هو قبرص نفسها. الجارديان نقلت في 8/3/2026 أن قطاع السياحة بدأ يشعر بالضغط بعد الضربة على أكروتيري، مع إلغاءات وحذر متزايد من السائحين وشعور بأن الجزيرة دخلت “منطقة الخطر”. هذه ليست مسألة جانبية في بلد يعتمد بقوة على السياحة والخدمات. كل تعزيز عسكري جديد قد يبدو مبررًا أمنيًا، لكنه يضيف أيضًا إلى صورة قبرص كجزيرة محاصرة بتهديد الحرب، لا كوجهة مستقرة في شرق المتوسط.

 

الباحث ماتياس ماتيس من مجلس العلاقات الخارجية يقول إن سرعة وحجم الضربات الأمريكية الإسرائيلية تركا أوروبا “تتخبط في رد فعل غير منسق”، وإن القارة أظهرت مرة أخرى محدودية وزنها الاستراتيجي المستقل حين يتعلق الأمر باستخدام القوة. هذه الملاحظة ضرورية لفهم معنى ما يجري في قبرص. أوروبا لا تتحرك من موقع السيادة الكاملة على القرار، بل من موقع من يدير الخسائر ويطارد التطورات. وحين يصبح أقصى ما تستطيع فعله هو نشر أصول دفاعية في جزيرة مهددة، فهذا يعني أن الحرب الأمريكية على إيران لم تجعل أوروبا لاعبًا، بل جعلتها أقرب إلى منطقة تماس مضطرة للتكيّف.

 

الخلاصة أن الحديث عن “تأهب أوروبي في قبرص للمشاركة بحملة أمريكا على إيران” يحتاج إلى تدقيق. المؤكد حتى الآن أن أوروبا لم تعلن دخولها الحرب، وأن قبرص قالت صراحة إنها لن تشارك في العمليات العسكرية. لكن المؤكد أيضًا أن الجزيرة تتحول سريعًا إلى مساحة دفاع وتجميع وإسناد سياسي وعسكري في ظل حرب لم تصنعها أوروبا ولم تتحكم فيها. وبين النفي الرسمي والوقائع الميدانية، يبدو أن الخطر الحقيقي ليس فقط في مشاركة معلنة لم تحدث بعد، بل في انزلاق متدرج يجعل قبرص تدفع ثمن حرب أمريكية إسرائيلية بينما تكتفي أوروبا بتغيير العنوان من “مشاركة” إلى “حماية”.