كشفَ القصف الإيراني المتجدد على وسط إسرائيل حدود الرواية الأمنية الإسرائيلية، بعدما دفعت الضربات الأخيرة الجيش وأجهزة الطوارئ إلى توسيع الإخلاء من مواقع سكنية متضررة في محيط تل أبيب، بالتوازي مع تشديد الرقابة على الصور والبث الحي من مناطق السقوط.
الجديد هذه المرة ليس فقط وصول صاروخ جديد إلى الوسط، بل عودة الحديث عن رؤوس انشطارية وذخائر فرعية تتناثر على مساحة واسعة، في وقت تؤكد فيه مصادر إسرائيلية سقوط قتيل واحد على الأقل وإصابة آخرين في هجوم اليوم 9/3/2026 على وسط إسرائيل.
وبينما تتداول منصات وحسابات أرقامًا عن سقوط 6 رؤوس أو مقذوفات فرعية متفجرة، فإن ما أمكن التثبت منه علنًا حتى الآن هو استخدام إيران مرارًا خلال الأيام الأخيرة لرؤوس عنقودية أو انشطارية تطلق عشرات الذخائر الصغيرة فوق وسط إسرائيل، مع تعليمات إسرائيلية متشددة بعدم نشر ما يكشف مواقع السقوط أو منظومات الاعتراض.
قصف جديد في الوسط.. وإخلاء يتوسع تحت ضغط الخوف
الوقائع المعلنة من داخل إسرائيل تقول إن الضربة الأخيرة لم تكن إنذارًا عابرًا. عنوان التغطية الحية في “تايمز أوف إسرائيل” اليوم كان واضحًا: قتيل واحد و2 في حالة خطرة بعد تأثير قنبلة عنقودية أو رأس انشطاري في وسط إسرائيل، مع صور لفرق الإسعاف والإنقاذ في مواقع السقوط. وفي تغطيات الأيام الماضية، تحدثت وسائل إعلام إسرائيلية عن إصابة 12 شخصًا في هجمات مماثلة على منطقة تل أبيب الكبرى، وعن أضرار في عدة نقاط متفرقة بدل نقطة ارتطام واحدة، وهو ما يفسر توسيع الإخلاء حول المباني والمربعات السكنية المتضررة، لأن الخطر لا يعود محصورًا في حفرة صاروخية واحدة بل في رقعة انتشار أوسع للشظايا والذخائر الفرعية غير المنفجرة.
هذه الصورة تفضح ادعاء “السيطرة الكاملة” الذي تكرره المؤسسة العسكرية الإسرائيلية. صحيح أن الجيش يعلن اعتراض عدد كبير من الصواريخ، لكن مجرد وصول رؤوس انشطارية إلى قلب الوسط الإسرائيلي يعني أن معادلة الحماية ليست بالصلابة التي تروج لها تل أبيب. الأثر النفسي هنا لا يقل عن الأثر العسكري. سكان يهرعون إلى الملاجئ أكثر من مرة يوميًا. مبانٍ تُخلى. ومساحات كاملة تُعامل بوصفها غير آمنة بسبب احتمال وجود ذخائر صغيرة لم تنفجر بعد. حتى حين لا تكون الخسائر البشرية كبيرة في كل ضربة، فإن كلفة الشلل والخوف والتعطيل تتراكم.
الخبير الصاروخي فابيان هينز من المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية شرح أن هذا النوع من الرؤوس الحربية لا يستهدف فقط نقطة بعينها، بل يُصمم لتشتيت الأثر القاتل على نطاق أوسع وتعقيد الدفاع في المرحلة الأخيرة من المسار. وهذه النقطة بالذات تفسر لماذا تتعامل إسرائيل مع الضربات الأخيرة بوصفها أكثر إرباكًا من الصواريخ التقليدية، حتى لو كان وزن كل ذخيرة فرعية أقل بكثير من الرأس الحربي الباليستي الكامل.
الرؤوس الانشطارية تكشف ثغرة دفاعية لا تريد تل أبيب الاعتراف بها
بحسب الجيش الإسرائيلي نفسه، فإن الرأس الحربي لهذا النوع من الصواريخ يفتح أثناء الهبوط وينثر بين 24 و80 ذخيرة أصغر، يزن ما في كل واحدة منها نحو 2.5 كغم من المتفجرات، ضمن دائرة قد تصل إلى 8 كيلومترات. ووفق “تايمز أوف إسرائيل”، استخدمت إيران هذا النوع عدة مرات في الحرب الحالية، وليس مرة واحدة، كما أن بعض الذخائر لا تنفجر فورًا وتظل خطرًا كالألغام. هذا وحده يكفي لفهم لماذا يتكرر تحذير الجبهة الداخلية من الاقتراب من بقايا المقذوفات، ولماذا تتسع دوائر الإخلاء حتى بعد انتهاء صافرات الإنذار.
اللافت أن الروايات المتداولة عن “6 رؤوس انشطارية” أو “6 مقذوفات متفجرة” لم يصدر بشأنها حتى الآن تأكيد مستقل ومفصل من مصدر مفتوح موثوق. لكن المؤكد أن إسرائيل نفسها أقرت باستخدام متكرر للرؤوس العنقودية، وأن الشرطة تحدثت عن ضربات في مواقع متعددة في الوسط نتيجة ذخائر فرعية متناثرة. هنا يصبح الخلاف على الرقم أقل أهمية من الحقيقة الأوسع: الضربة لم تعد تقاس بعدد الصواريخ التي اخترقت فقط، بل بعدد البؤر التي يمكن أن تخلقها الذخائر الصغيرة فوق المدن المكتظة.
ومن زاوية ميدانية، قال قائد شرطة منطقة تل أبيب حاييم سَرغاروف إن تأثيرات الضربة الأخيرة ظهرت في عدة نقاط وسط البلاد، مع أضرار وإصابات ناجمة عن الذخائر الفرعية. حديثه مهم لأنه ينسف أي محاولة لتصوير ما حدث كواقعة محدودة يمكن احتواؤها إعلاميًا بسهولة. تعدد نقاط التأثير يعني تمدد الضغط على الإسعاف والشرطة وخبراء المتفجرات، ويعني أن الدفاعات الجوية، حتى عند اعتراض جزء من الهجوم، لم تمنع بالكامل انتقال الخطر إلى الأرض.
الرقابة تتشدد.. من يخفي الصورة يعترف ضمنًا بحجم الضرر
إذا كان القصف كشف ثغرة دفاعية، فإن الرقابة كشفت قلقًا سياسيًا وأمنيًا أعمق. شبكة CNN أوضحت أن كل صحفي وكل فرد في إسرائيل يخضع عمليًا للرقابة العسكرية، وأن القواعد تشددت في هذه الحرب تحديدًا، مع حظر البث الحي الذي يكشف مواقع اعتراض الصواريخ أو المواقع التي أصابتها المقذوفات، خصوصًا إذا كان من شأنه إظهار دقة الصواريخ الإيرانية أو أماكن بطاريات الاعتراض. كما تحدثت تقارير إسرائيلية سابقة عن اشتراط موافقة مسبقة قبل تصوير أو بث مواقع السقوط، وعن صلاحيات أوسع للشرطة ضد المخالفين.
هذا يعني أن عبارة “حظر نشر أي صور أو توثيقات” ليست دقيقة حرفيًا إذا فهمت باعتبارها قرارًا جديدًا منفصلًا صدر اليوم وحده، لكنها تعكس اتجاهًا قائمًا بالفعل: تشديد مستمر على التوثيق، وخصوصًا ما قد يكشف مواقع الإصابة أو فاعلية الضربات الإيرانية. بعبارة أوضح، إسرائيل لا تمنع الصورة لأنها غير مهمة، بل لأنها صارت جزءًا من ساحة المعركة نفسها. كل مقطع من موقع سقوط يمكن أن يتحول إلى دليل على اختراق الدفاعات، أو مادة دعائية لإيران، أو إحراج سياسي لحكومة تتحدث عن الأمن بينما يُخلى السكان من قلب المركز الاقتصادي للدولة.
المحامية تال حسّين من جمعية الحقوق المدنية في إسرائيل ذهبت أبعد من ذلك، إذ قالت إن بعض التوجيهات التي استخدمت ضد الصحفيين في تغطية مواقع الضربات تمثل انتهاكًا لحقوق أساسية، وإن موازنة الأمن مع حرية الصحافة يجب أن تبقى من اختصاص الرقيب العسكري وحده لا أداة سياسية بيد وزراء أو شرطة. أهمية هذا الرأي أنه يفضح التداخل بين الرقابة الأمنية المشروعة نسبيًا وبين توسيع المنع إلى مستوى يطرد الصحافة من المشهد كله. وهذا تحديدًا ما تحتاجه تل أبيب الآن: صورة أقل، وأسئلة أقل، ووعي عام أقل بحجم الهشاشة التي كشفتها الضربات الأخيرة.
الخلاصة أن ما جرى اليوم في وسط إسرائيل ليس مجرد سقوط صاروخ جديد. هو حلقة أخرى في حرب تتآكل فيها هيبة الردع الإسرائيلي بالتدريج. الإخلاء يتوسع. الرقابة تشتد. والرواية الرسمية تصبح أكثر عصبية كلما اقتربت الذخائر من تل أبيب. وحين تضطر الدولة إلى إخفاء الصورة بعد كل ضربة، فهي تعترف ضمنًا بأن الصورة نفسها صارت أخطر من البيان العسكري.

