كشفت الحرب الإقليمية الجارية حدود الخطاب الحكومي عن “انتظام التجارة” في وقت تقفز فيه رسوم الشحن البحري، وتتجمد حركة التبادل مع الخليج عبر عدد من المسارات البحرية، ويزداد الضغط على المستوردين والمستهلكين معًا. المشكلة هنا ليست في وقوع الحرب فقط. المشكلة أن الحكومة المصرية تتعامل معها حتى الآن كأنها مجرد موجة عابرة، بينما الوقائع في البحر وأسعار الطاقة تقول إن الكلفة بدأت بالفعل، وإن آثارها لن تتوقف عند الموانئ أو شركات الاستيراد. ارتفاع أسعار النفط، وتعطل المرور الآمن عبر مضيق هرمز، وتوقف أو إعادة توجيه سفن كبرى، كلها مؤشرات على أزمة أوسع من بيانات التهدئة. حتى الآن، ما تقوله الحكومة أقل كثيرًا مما يحدث في السوق الدولية.
قفزة الشحن تكشف فراغ الحكومة
قال متي بشاي، رئيس لجنة التجارة الداخلية بشعبة المستوردين، إن رسوم الشحن البحري ارتفعت بين 200% و300% منذ اندلاع الحرب، وإن التجارة بين مصر ودول الخليج عبر الموانئ البحرية تعرضت لتوقف شبه كامل بفعل التوترات الأمنية. هذا التوصيف لا يبدو مبالغة عند مقارنته بما تقوله الأسواق الدولية، حيث تحدثت تقارير ملاحية متخصصة عن خروج سفن حاويات من مسار هرمز، وتعطل موانئ خليجية، واحتجاز نحو 170 سفينة حاويات داخل المنطقة في لحظة واحدة، مع فرض شركات كبرى مسارات بديلة وملاجئ آمنة لسفنها.
الخطر هنا مزدوج. التاجر المصري لا يدفع فقط فاتورة شحن أعلى. هو يدفع أيضًا ثمن التأخير وارتفاع التأمين وتجميد البضائع لفترات أطول. هذا يعني رأس مال أبطأ. وسيولة أضعف. ومخاطر أكبر على سلع قد تصل متأخرة أو بكلفة نهائية أعلى. الحكومة تعرف هذه القاعدة جيدًا، لكنها ما زالت تتحدث عن “من المبكر” قياس الأثر على الأسعار المحلية، وكأن السوق ينتظر التصريحات الرسمية قبل أن يعيد حساب تكلفته. في الواقع، أي قفزة بهذا الحجم في النقل لا يمكن عزلها طويلًا عن أسعار السلع المستوردة أو مدخلات الإنتاج.
هنا يبرز رأي مدحت يوسف، نائب رئيس هيئة البترول الأسبق، الذي قال في مناسبة سابقة إن الاقتصاد المصري شديد الحساسية لأي اضطراب في الطاقة والنقل لأن التكلفة لا تتوقف عند الوقود نفسه، بل تمتد إلى السلسلة كلها من الشحن حتى التسعير النهائي. هذا الكلام يكتسب وزنًا أكبر الآن مع اقتراب النفط من مستويات مرتفعة تجاوزت في بعض التعاملات 100 دولار للبرميل، ومع تحذيرات من أن استمرار الاضطراب في هرمز قد يدفع الأسعار أعلى ويعيد إنتاج صدمة تكلفة عالمية جديدة.
الموانئ تعمل لكن الخطر أكبر من البيانات
يقول متي بشاي إن الموانئ المصرية تعمل بصورة طبيعية وإن التأثير المباشر حتى الآن يتركز في ارتفاع الدولار وكلفة الشحن. هذا صحيح جزئيًا. رئيس هيئة قناة السويس أسامة ربيع أكد في 3/3/2026 و4/3/2026 أن الملاحة في القناة مستمرة بصورة طبيعية في الاتجاهين، وأن 56 سفينة عبرت القناة بحمولة صافية 2.6 مليون طن، مع استمرار الخدمات على مدار 24 ساعة. لكن هذا لا يعني أن الوضع مطمئن اقتصاديًا، لأن انتظام العمل داخل الميناء لا ينفي أن خطوطًا ملاحية كبرى علقت أو أعادت ترتيب رحلاتها بسبب المخاطر الإقليمية، ولا ينفي أن الحرب تهدد أحد أهم الشرايين التي تعتمد عليها تجارة المنطقة.
المفارقة أن الحكومة تتمسك بزاوية واحدة فقط من المشهد. نعم، الأرصفة تعمل. نعم، الممر الملاحي لم يُغلق. لكن هذا ليس جوهر الأزمة. جوهر الأزمة أن السفينة التي كانت تعبر في مسار معلوم وبتأمين معلوم لم تعد في البيئة نفسها. شركات النقل تعيد التسعير. وشركات التأمين تعيد التقييم. والزمن اللوجستي يتغير. هذا هو الفارق بين إدارة أزمة وبين الاكتفاء بنفي الشلل الكامل. الدولة تتصرف كما لو أن عدم توقف الميناء يساوي عدم وجود مشكلة، بينما السوق الدولية تقيس الخطر بطريقة أخرى تمامًا.
رأي أسامة ربيع مهم هنا، لأنه يثبت أن البنية التشغيلية المصرية لم تتعطل حتى الآن. لكنه في الوقت نفسه لا يلغى السؤال السياسي والاقتصادي الأهم: ماذا أعدت الحكومة لموجة تكلفة ممتدة إذا طال أمد الحرب؟ لا توجد حتى الآن خطة معلنة للرأي العام حول كيفية حماية المستوردين من انفلات رسوم الشحن، أو تقليل زمن الإفراج، أو امتصاص أثر الدولار على سلع أساسية. هناك فقط خطاب عام عن “المتابعة” و”التقييم لاحقًا”. هذه ليست سياسة. هذا تأجيل.
أوروبا تتضخم والداخل المصري ليس محصنًا
امتد حديث متي بشاي إلى أوروبا، مشيرًا إلى موجة تضخمية بدأت هناك بفعل ارتفاع النفط والطاقة. الرقم الذي طرحه عن زيادات 70% و80% في بعض القطاعات لا يمكن تعميمه على القارة كلها من دون بيانات قطاعية تفصيلية، لكن الاتجاه العام الذي أشار إليه تدعمه مؤسسات وخبراء دوليون. أحمد كايا في “Economics Observatory” كتب في 6/3/2026 أن الأثر الفوري للحرب يتمثل في قفزات النفط والغاز وتعطل الشحن والطيران، وأن الاقتصادات الأكثر اعتمادًا على الطاقة المستوردة ستكون الأكثر عرضة لضغط تضخمي جديد. كذلك حذر فيليب لين، كبير الاقتصاديين في البنك المركزي الأوروبي، من أن إطالة أمد الحرب قد ترفع التضخم وتبطئ النمو في منطقة اليورو.
هذه النقطة لا تخص أوروبا وحدها. مصر ليست جزيرة خارج السوق العالمية. إذا ارتفعت كلفة الطاقة والشحن والتأمين في الخارج، فسوف تصل العدوى إلى الداخل المصري عاجلًا أو آجلًا، خاصة في اقتصاد يعتمد على الواردات في سلع ومدخلات إنتاج كثيرة. هنا يصبح الحديث الحكومي عن أن “من المبكر” قياس أثر الدولار أو الحرب على الأسعار المحلية حديثًا ناقصًا. السوق لا ينتظر اكتمال الصورة السياسية كي يعيد التسعير. يكفيه ارتفاع التكلفة الفعلية حتى تبدأ الضغوط.
وفي ختام تصريحاته، طالب متي بشاي التجار بعدم استغلال الأزمة لرفع الأسعار بصورة مبالغ فيها. هذه دعوة مفهومة، لكنها تكشف أيضًا الفراغ الرسمي. السوق لا يُدار بالمناشدات وحدها. وحين تكون الحرب قد رفعت الشحن والتأمين والدولار والمخاطر، فإن ترك الأسعار لمعادلة “ضمير التاجر” ليس سياسة حماية، بل وصفة فوضى. الحكومة مطالبة الآن بأكثر من الطمأنة. مطالبة بإعلان تقدير واضح للخسائر المحتملة، وخطة لتأمين السلع الأكثر حساسية، وآلية رقابة تمنع تحويل الحرب إلى ذريعة مفتوحة لزيادة الأسعار. غير ذلك، ستظل السلطة تكرر أن الموانئ تعمل، بينما يدفع المواطن ثمن حرب لم يخترها وثمن حكومة لا تسبق الأزمة إلا بالبيانات.

