عبد الرحمن آدم علي

المتحدث الرسمي باسم الرئاسة الصومالية

 

في مسيرة الأمم لحظات فارقة تتجاوز تخوم السياسة اليومية، لتستحيل إلى محطات تاريخية تعيد صياغة الدولة ومؤسساتها.

 

ومن بين تلك اللحظات الوضاءة في تاريخ الصومال الحديث، يبرز استكمال الدستور الصومالي وإقرار تعديلاته الأخيرة بوصفه منجزا وطنيا جسيما يضع حدا لسنوات طوال من المرحلة الانتقالية، ويشرع الأبواب أمام عهد الدولة الدستورية المستقرة.

 

وقد تم هذا الإنجاز في ظل قيادة رئيس الجمهورية حسن شيخ محمود، الذي جعل من استكمال الدستور أحد أسمى تعهداته السياسية أمام الشعب الصومالي؛ فكان الوفاء بهذا الوعد علامة فارقة في سجل عهده السياسي، وبرهانا على إرادة سياسية صلبة تبتغي ترسيخ أسس الدولة الحديثة.

 

من الدستور المؤقت إلى ميثاق وطني مكتمل

 

عقب عهود من الاضطراب السياسي والانهيار المؤسسي الذي تلا سقوط الدولة المركزية عام 1991، شكل اعتماد الدستور المؤقت عام 2012 نقطة انطلاق صوب إعادة بناء الدولة الصومالية.

 

غير أن هذا الدستور ظل إطارا مؤقتا يفتقر إلى الاستكمال والمراجعة، الأمر الذي أبقى البلاد في مخاض انتقال سياسي امتد لأكثر من أربعة عشر عاما.

 

وخلال تلك الحقبة، طفت على السطح جملة من الإشكالات الدستورية، كان من أبرزها الخلافات حول توزيع الصلاحيات بين الحكومة الفدرالية والولايات، وتنظيم الموارد الوطنية، فضلا عن تحديات تكتنف بناء مؤسسات القضاء، وتعزيز ثقة المواطنين والمجتمع الدولي في كيان الدولة الصومالية.

 

لكن البرلمان الحادي عشر، في ظل قيادة الرئيس حسن شيخ محمود، وُفق أخيرا في طي هذه الصفحة الطويلة من تاريخ البلاد، عبر استكمال الدستور وإقراره بصورة نهائية، في خطوة عُدّت إعلانا رسميا لانتهاء المرحلة الانتقالية، وبزوغ فجر الدولة ذات الشرعية الدستورية الناجزة.

 

وفاء بوعد تاريخي

 

مذ توليه منصبه، شدد الرئيس حسن شيخ محمود على أن استكمال الدستور ليس محض ملف سياسي عابر، بل هو مهمة وطنية جسيمة ترتبط بمصير الدولة الصومالية واستقرارها.

 

ولأجل ذلك، عكفت مؤسسات الدولة خلال الأعوام المنصرمة، بالتنسيق مع البرلمان ولجان الخبراء، على الدفع بمسار مراجعة الدستور قدما، عبر حوارات سياسية ومجتمعية مستفيضة.

 

وقد كللت هذه الجهود بإقرار التعديلات الدستورية، في مشهد سياسي يجسد نضج التجربة الديمقراطية في البلاد، ويبرهن على قدرة المؤسسات الوطنية على إنجاز الملفات الكبرى بلغة الحوار ونهج التوافق.

 

التوافق السياسي والاستجابة لصوت المعارضة

 

ومن أجلى ملامح هذا الإنجاز أنه لم يكن نتاج قرار أحادي، بل جاء ثمرة مشاورات مستفيضة شملت شتى الأطراف السياسية؛ إذ أخذت لجنة مراجعة الدستور في حسبانها العديد من الملاحظات التي طرحتها قوى المعارضة، وفي طليعتهم الرئيس السابق الشيخ شريف شيخ أحمد، الذي يشغل حاليا مقعدا في البرلمان.

 

وقد أجرت اللجنة تعديلات على بعض البنود نزولا عند هذه الملاحظات، في خطوة عززت روح التوافق السياسي، وأكدت أن الدستور الجديد يجسد بالفعل عقدا وطنيا جامعا يترجم الإرادة الجماعية للشعب الصومالي.

 

دعم واسع داخل المؤسسة التشريعية

 

إبان طرح التعديلات للتصويت تحت قبة البرلمان الفدرالي، حظيت بتأييد عريض من أعضاء مجلسي الشعب والشيوخ؛ إذ صوتت أغلبية ساحقة من النواب لصالح اعتماد التعديلات الدستورية، في لحظة سياسية تجسد حجم التوافق الوطني حيال ضرورة طي صفحة المرحلة الانتقالية.

 

وقد ذهب مراقبون إلى أن هذا التصويت يمثل أحد أجلى مشاهد الإجماع السياسي في تاريخ الصومال الحديث، ويستشف منه إدراك جمعي بأهمية استكمال الصرح الدستوري للدولة.

 

أبرز ملامح التعديلات الدستورية

 

جاءت التعديلات الجديدة لتعزيز جلاء النظام السياسي وترسيخ ركائز الحكم الرشيد، ومن أبين ما نصت عليه:

 

  • انتخاب رئيس الجمهورية من قبل البرلمان.

 

  • انتخاب أعضاء البرلمان مباشرة من قبل الشعب.

 

  • قيام الرئيس بتعيين رئيس الوزراء، مع كفالة حق البرلمان في مساءلته وإقالته.

 

  • قصر الرئاسة على ولايتين فقط كحد أقصى.

 

  • تحديد الحد الأدنى لعمر الرئيس بـ40 عاما.

 

  • اشتراط أن يكون الرئيس صوماليا بالميلاد.

 

  • حظر حمل الجنسية المزدوجة أو الزواج من أجنبية على كبار المسؤولين إبان توليهم مناصبهم.

 

  • تنظيم وضع مقديشو بوصفها إقليما للعاصمة مع إدارة محلية منتخبة.

 

  • تحديد مدة ولاية الحكومة بخمس سنوات.

 

  • إلزام كبار المسؤولين بتقديم إقرار بالذمة المالية.

 

  • تحديد الحد الأدنى لعمر عضو البرلمان بـ25 عاما، وللوزير بـ30 عاما.

 

  • تحديد سن البلوغ الديني بـ15 عاما، وسن المسؤولية القانونية بـ18 عاما.

 

بداية مرحلة جديدة في تاريخ الدولة

 

إن اكتمال الدستور لا يمثل محض تعديل قانوني، بل هو تحول تاريخي في مسار الدولة الصومالية؛ إذ يرسي دعائم نظام سياسي أكثر جلاء واستقرارا، ويضع إطارا دستوريا رصينا لتنظيم العلاقة بين الحكومة الفدرالية والولايات، ويعزز استقلال القضاء وصون حقوق المواطنين.

 

كما يمهد السبيل نحو إجراء انتخابات ديمقراطية مباشرة تقوم على مبدأ «مواطن واحد، صوت واحد»، وهو حلم طالما راود وجدان الشعب الصومالي.

 

وبهذا المنجز، تلج الصومال مرحلة جديدة عنوانها الدولة الدستورية الناجزة، في لحظة وطنية تستأهل الاحتفاء، وتدون في سجلات التاريخ بوصفها واحدة من أبهى المحطات في مسيرة إعادة بناء الدولة الصومالية الحديثة.