كشفت أزمة التوتر في الخليج واحتمالات تعطّل الملاحة عبر مضيق هرمز عن فرصة استراتيجية نادرة كان يمكن لمصر أن تستغلها لتعزيز موقعها كممر رئيسي للطاقة في العالم. لكن بدلاً من تحويل هذه اللحظة إلى مكسب جيوسياسي واقتصادي، اكتفت الحكومة بتكرار الحديث الإعلامي عن قدرات خط أنابيب سوميد دون بناء منظومة حقيقية قادرة على تحويله إلى بديل فعلي لمسار النفط عبر هرمز.
الأزمة أعادت إلى الواجهة سؤالًا قديمًا: لماذا لم تستثمر الحكومات المتعاقبة، خصوصًا خلال العقد الأخير، في تطوير بنية تحتية متكاملة حول خط سوميد تتيح لمصر أن تتحول إلى مركز عالمي لنقل النفط، بدل الاكتفاء بدور محدود في شبكة الطاقة الإقليمية؟
في مداخلة إعلامية مع الإعلامي أحمد موسى، قال الدكتور جمال القليوبي أستاذ هندسة البترول والطاقة إن خط سوميد يمثل نقطة احترازية مهمة لنقل النفط في حالات الطوارئ، مؤكدًا أن مصر تمتلك قدرات فنية كبيرة عبر خط النقل الممتد من العين السخنة إلى سيدي كرير على البحر المتوسط.
لكن القليوبي أشار أيضًا إلى أن هذه القدرات لم تتحول بعد إلى منظومة استراتيجية متكاملة يمكنها تعويض أي تعطّل واسع في مضيق هرمز.
سوميد.. مشروع ضخم بلا استراتيجية توسع
تأسس خط أنابيب سوميد في سبعينيات القرن الماضي عبر شراكة بين مصر والسعودية والكويت وقطر، ويمتد بطول 320 كم من العين السخنة على البحر الأحمر إلى سيدي كرير على البحر المتوسط. يستخدم الخط أنابيب بقطر 42 بوصة لنقل النفط الخام والمشتقات البترولية.
وفق تصريحات القليوبي، يستطيع الخط نقل ما بين 2.5 و3 ملايين برميل يوميًا من النفط الخام والمنتجات البترولية مثل البنزين والسولار. كما يمكنه استقبال كميات أكبر من النفط السعودي إذا دعت الحاجة.
وأشار إلى أن نحو 7 ملايين برميل من المنتجات البترولية يمكن نقلها عبر هذا المسار بمجرد وصول الناقلات إلى ميناء ينبع السعودي، ثم ضخها عبر الأنبوب إلى البحر المتوسط خلال ساعات قليلة.
هذه الأرقام تضع مصر نظريًا في موقع يسمح لها بلعب دور بديل لمسار النفط عبر مضيق هرمز. لكن المشكلة أن هذه الإمكانيات لم تُستكمل ببنية لوجستية أوسع تشمل التخزين والتكرير والتجارة الدولية للطاقة.
الخبير في اقتصاد الطاقة الدكتور محمود الشامي، أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة، يقول إن خطوط مثل سوميد تمنح مصر فرصة لتعزيز دورها كممر بديل لنقل الطاقة في الشرق الأوسط. لكنه يؤكد أن الاستفادة الحقيقية من هذه الشبكات تحتاج إلى خطة توسع في التخزين والبنية التحتية والتعاون الدولي.
أزمة هرمز تكشف الفرصة الضائعة
تأتي أهمية سوميد في ظل التوترات المتصاعدة في الخليج، حيث يمثل مضيق هرمز أحد أهم الممرات العالمية لنقل النفط. أي تعطّل في هذا المضيق يمكن أن يؤدي إلى اضطرابات كبيرة في إمدادات الطاقة العالمية.
وأشار القليوبي إلى أن أكثر من 2300 سفينة كانت محتجزة في مضيق هرمز خلال الأيام الأخيرة بسبب التوترات الأمنية، وهو ما يعكس حجم الضغط الذي قد يتعرض له نظام النقل البحري للطاقة.
في مثل هذه الظروف، يمكن لخطوط الأنابيب البديلة أن تلعب دورًا حاسمًا في الحفاظ على تدفق النفط. لكن تحويل سوميد إلى بديل فعلي يحتاج إلى استثمارات كبيرة في موانئ التخزين ومحطات التصدير وشبكات النقل المرتبطة به.
خبير نفطي خليجي تحدث لوسائل إعلام عربية – وطلب عدم الكشف عن اسمه – قال إن سوميد يمثل جزءًا من المخزون الاستراتيجي العربي لنقل الطاقة. لكنه أشار إلى أن فعاليته تعتمد على قدرة الدول المعنية على تنسيق الإنتاج والنقل والتسويق الدولي للنفط.
تسويق إعلامي بدل خطة حقيقية
خلال الأسبوعين الماضيين كثّفت وسائل الإعلام الرسمية في مصر الحديث عن قدرات سوميد باعتباره عنصرًا رئيسيًا في استراتيجية مواجهة أزمات الطاقة. هذه الرسائل الإعلامية ركزت على قدرة مصر على لعب دور محوري في نقل النفط بين البحر الأحمر والبحر المتوسط.
لكن محللين يرون أن هذه التغطية الإعلامية لا تعكس واقع البنية التحتية الفعلية اللازمة لتحويل مصر إلى بديل حقيقي لمضيق هرمز.
الخبير الاقتصادي الدكتور ممدوح الولي يقول إن امتلاك خط أنابيب مهم مثل سوميد لا يكفي وحده لتحويل مصر إلى مركز عالمي للطاقة. ويضيف أن هذه المكانة تحتاج إلى منظومة كاملة تشمل التخزين الضخم للنفط ومراكز تجارة الطاقة ومحطات تكرير حديثة.
ويرى الولي أن المشكلة الأساسية تكمن في غياب استراتيجية طويلة المدى لتطوير قطاع الطاقة بما يسمح لمصر بالاستفادة من موقعها الجغرافي الفريد.
تحديات تقنية ولوجستية
رغم الإمكانيات الكبيرة لخط سوميد، فإن هناك تحديات حقيقية أمام توسيع دوره في نقل النفط عالميًا. من أبرز هذه التحديات الحاجة إلى تأمين كميات كافية من النفط الخام والمشتقات البترولية لضخها عبر الخط.
كما يتطلب تشغيل هذا المسار بشكل فعال تنسيقًا مع الدول المنتجة للنفط وشركات التجارة العالمية، إضافة إلى وجود بنية تحتية ضخمة للتخزين والنقل في موانئ البحر الأحمر والبحر المتوسط.
هذه التحديات تعني أن تحويل مصر إلى بديل فعلي لمضيق هرمز لن يتحقق عبر التصريحات الإعلامية، بل عبر استثمارات ضخمة وخطط استراتيجية طويلة المدى.
في النهاية، تكشف أزمة الخليج أن مصر تمتلك ورقة جغرافية واقتصادية مهمة في سوق الطاقة العالمية. لكن تحويل هذه الورقة إلى قوة حقيقية يحتاج إلى إدارة اقتصادية وسياسية قادرة على استثمار الفرص، لا الاكتفاء بتسويقها إعلاميًا. وفي عالم تتصارع فيه الدول على طرق الطاقة، قد تكون الفرصة التي تضيع اليوم أصعب بكثير في العودة غدًا.

