قفزت أسعار خامات الأعلاف في السوق المصرية مرة أخرى بزيادات تراوحت بين 500 و1000 جنيه للطن خلال الأيام الأخيرة، في تطور يعيد فتح ملف هشاشة منظومة الغذاء في البلاد. الزيادة الجديدة تضرب قلب سلاسل الإنتاج الغذائي، لأن الأعلاف تمثل العمود الفقري لصناعات الدواجن واللحوم والألبان والأسماك. ومع استمرار ارتفاع الأسعار، تتصاعد المخاوف من موجة تضخم غذائي جديدة قد تصل مباشرة إلى موائد ملايين الأسر.
العاملون في السوق يرون أن ما يحدث ليس مجرد ارتفاع عابر في الأسعار، بل نتيجة تراكم سنوات من الاعتماد المفرط على الاستيراد دون بناء قاعدة إنتاج محلية كافية. ومع كل أزمة عالمية أو اضطراب في أسعار النقل والطاقة، يجد السوق المحلي نفسه أمام موجة جديدة من الغلاء.
يقول أستاذ الاقتصاد الزراعي بجامعة القاهرة الدكتور أحمد جلال إن ارتفاع أسعار الأعلاف يكشف خللًا هيكليًا في منظومة الإنتاج الزراعي والغذائي. ويضيف أن اعتماد مصر على استيراد معظم احتياجاتها من الذرة الصفراء وفول الصويا يجعل السوق المحلي رهينة للتقلبات العالمية وسعر الدولار.
الدواجن أول الضحايا
يُعد قطاع الدواجن الأكثر تأثرًا بارتفاع أسعار الأعلاف، إذ تمثل الأعلاف ما بين 65% و70% من تكلفة الإنتاج في المزارع. أي زيادة في أسعار الخامات تنعكس فورًا على تكلفة الإنتاج داخل المزارع، وهو ما يدفع المربين إلى رفع الأسعار أو تقليص الإنتاج.
مربون في القطاع يقولون إن كثيرًا من المزارع الصغيرة بدأت بالفعل تقليل دورات التربية بسبب ارتفاع التكلفة. هذه الخطوة قد تؤدي لاحقًا إلى انخفاض المعروض في السوق، وهو ما يفتح الباب أمام ارتفاع جديد في أسعار الدواجن والبيض.
الخبير في صناعة الدواجن الدكتور عبد العزيز السيد، رئيس شعبة الدواجن بغرفة القاهرة التجارية، يقول إن قطاع الدواجن يعيش تحت ضغط مستمر منذ سنوات بسبب تقلب أسعار الأعلاف. ويضيف أن غياب رؤية حكومية واضحة لتحقيق الاكتفاء من مدخلات الإنتاج يجعل الصناعة عرضة للأزمات المتكررة.
ويشير السيد إلى أن مصر تستهلك ملايين الأطنان من الأعلاف سنويًا، ومعظمها يعتمد على خامات مستوردة. لذلك فإن أي ارتفاع في أسعار الذرة أو الصويا عالميًا ينعكس فورًا على الأسعار المحلية.
اللحوم والألبان في دائرة الغلاء
لا تقف تداعيات ارتفاع الأعلاف عند قطاع الدواجن فقط. قطاع الثروة الحيوانية يتعرض لضغوط مماثلة، لأن مزارع الماشية تعتمد بشكل أساسي على الأعلاف المركزة في عمليات التسمين.
مع ارتفاع تكاليف التغذية، تصبح تربية الماشية أكثر كلفة، وهو ما ينعكس تدريجيًا على أسعار اللحوم الحمراء ومنتجات الألبان. الحليب والجبن والزبدة جميعها ترتبط بشكل مباشر بتكلفة الأعلاف التي يتغذى عليها الحيوان.
يقول الخبير الزراعي الدكتور نادر نور الدين إن ارتفاع أسعار الأعلاف يمثل أحد أخطر التحديات التي تواجه الأمن الغذائي في مصر. ويضيف أن المشكلة الحقيقية تكمن في ضعف الإنتاج المحلي من الذرة الصفراء وفول الصويا مقارنة بحجم الطلب.
نور الدين يوضح أن مصر تستورد النسبة الأكبر من احتياجاتها من هذه المحاصيل، ما يجعل السوق المحلية شديدة الحساسية لأي اضطراب عالمي في أسعار الغذاء أو الطاقة أو النقل.
كما يحذر من أن استمرار ارتفاع التكاليف قد يدفع بعض المربين الصغار إلى الخروج من السوق، وهو ما يقلل الإنتاج المحلي ويزيد الاعتماد على الاستيراد في النهاية.
سلسلة غلاء تمتد إلى كل الصناعات الغذائية
تأثير الأعلاف لا يتوقف عند المزارع فقط. سلسلة الغذاء بأكملها ترتبط بها بشكل مباشر أو غير مباشر. صناعة البيض تعتمد كليًا على أعلاف الدواجن. الاستزراع السمكي يعتمد على الأعلاف المصنعة. وحتى صناعات اللحوم المصنعة مثل السجق واللانشون تتأثر بارتفاع أسعار اللحوم الخام.
قطاع المطاعم والوجبات السريعة أيضًا يعتمد بشكل كبير على الدواجن كمكوّن رئيسي. لذلك فإن أي زيادة في تكلفة الإنتاج تنتقل تدريجيًا عبر سلسلة الغذاء حتى تصل إلى المستهلك النهائي.
اقتصاديون يحذرون من أن استمرار هذه الزيادات قد يؤدي إلى موجة تضخم غذائي جديدة في مصر. فالغذاء يمثل جزءًا كبيرًا من إنفاق الأسر، وأي ارتفاع في أسعار اللحوم والدواجن والبيض يضغط مباشرة على القدرة الشرائية للمواطنين.
الخبير الاقتصادي الدكتور فخري الفقي يقول إن الحل الحقيقي لا يكمن في التعامل مع الأزمة بشكل مؤقت، بل في تقليل الاعتماد على الاستيراد عبر التوسع في زراعة الذرة الصفراء وفول الصويا محليًا. ويضيف أن الاستثمار في الإنتاج المحلي يمكن أن يقلل الضغط على العملة الأجنبية ويحمي السوق من تقلبات الأسعار العالمية.
لكن حتى الآن، لا تزال مصر تعتمد بدرجة كبيرة على استيراد هذه الخامات لتغطية احتياجات صناعة الأعلاف. ومع استمرار اضطرابات التجارة العالمية وارتفاع تكاليف الشحن والطاقة، يتوقع متعاملون في السوق استمرار الضغوط على الأسعار خلال الفترة المقبلة.
في النهاية، تبقى النتيجة واضحة: ارتفاع الأعلاف يعني ارتفاع الغذاء. وفي بلد يعيش فيه ملايين المواطنين على الدواجن والبيض كمصدر رئيسي للبروتين، فإن أي خلل في سوق الأعلاف يتحول بسرعة إلى أزمة معيشية تمس حياة الناس اليومية. السؤال الذي يطرحه المنتجون اليوم ليس فقط لماذا ترتفع الأسعار، بل لماذا لم تستعد الحكومة لهذه الأزمة منذ سنوات رغم وضوح أسبابها.

