قفزت توقعات أسعار النفط عالميًا مع تصاعد اضطراب الملاحة في مضيق هرمز، وسط مواجهة عسكرية مفتوحة بين الولايات المتحدة وإيران، دفعت كبرى البنوك إلى رفع تقديراتها قصيرة الأجل والتحذير من سيناريوهات قد تدفع البرميل إلى 100 دولار، وربما 120 دولارًا إذا طال أمد الأزمة.
التحركات لم تعد تقديرية فقط. صباح اليوم ارتفع خام برنت بنسبة 13% متجاوزًا 82 دولارًا للبرميل، بعد توقف حركة ناقلات النفط عبر المضيق خلال عطلة نهاية الأسبوع. الأسواق تتفاعل مع المخاطر قبل تحققها. والمضيق الذي يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية أصبح نقطة الاختبار.
سيتي بنك يرفع السقف.. و120 دولارًا احتمال قائم
“سيتي بنك” رفع توقعاته قصيرة الأجل لخام برنت بمقدار 15 دولارًا ليصل إلى 85 دولارًا للبرميل، متوقعًا نطاق تداول بين 80 و90 دولارًا هذا الأسبوع. السبب واضح. استمرار المخاطر على البنية التحتية للطاقة واضطراب تدفقات النفط عبر مضيق هرمز.
البنك أشار إلى احتمال بنسبة 20% لتضرر منشآت نفطية في دول المنطقة. في هذا السيناريو قد ترتفع الأسعار إلى 120 دولارًا للبرميل. هذا الرقم ليس مبالغة حسابية. بل تسعير لاحتمال انقطاع فعلي في الإمدادات.
الدكتور مدحت نافع، الخبير الاقتصادي، يرى أن “السوق يسعر الآن المخاطر الجيوسياسية لا العرض والطلب فقط”. ويضيف أن أي ضرر للبنية التحتية في الخليج سيترجم فورًا إلى قفزة سعرية مضاعفة بسبب حساسية الإمدادات العالمية.
ارتفاع 13% في يوم واحد يعكس هشاشة التوازن. السوق يتحرك بسرعة لأن الإمدادات الفائضة عالميًا محدودة. وأي تعطيل في هرمز يصعب تعويضه سريعًا.
علاوة مخاطر 18 دولارًا.. وتسعير لانقطاع 2.3 مليون برميل
“جولدمان ساكس” قدّر علاوة المخاطر الآنية في أسعار النفط بنحو 18 دولارًا للبرميل. هذا الرقم يعكس تقديرًا لتوقف حركة ناقلات النفط في مضيق هرمز لمدة 6 أسابيع. أي أن جزءًا معتبرًا من السعر الحالي هو خوف لا نفط فعلي.
محللون من بينهم دان سترويفن أوضحوا أن هذه العلاوة تعادل تسعير السوق لانقطاع إمدادات عالمية لمدة عام بمقدار 2.3 مليون برميل يوميًا. هذا مستوى ضخم مقارنة بمرونة العرض الحالية.
خورخي ليون، رئيس قسم التحليل الجيوسياسي في “ريستاد إنرجي”، قال لـ”بلومبيرج” إن استمرار الاضطراب لأسابيع أو شهور قد يدفع البرميل إلى 100 دولار. هذا السيناريو يرتبط بطول أمد التعطيل لا بشدته فقط.
الخبير الاقتصادي هاني توفيق يؤكد أن “100 دولار ليست سقفًا نفسيًا فقط، بل نقطة انتقال تضخمية عالمية”. ويشير إلى أن أي صعود فوق هذا المستوى سيضغط على موازنات الدول المستوردة للطاقة ويرفع تكلفة النقل والتصنيع.
التأثير لا يقتصر على الخام. المضيق عبر العام الماضي نحو 9% من إمدادات زيت الغاز اليومية عالميًا و18% من وقود الطائرات. أي اضطراب ممتد سيضغط على أسعار الطيران والشحن وسلاسل الإمداد.
التخزين محدود.. والإغلاق الطويل يعني وقف الإنتاج
محللو “جيه بي مورجان تشيس” أشاروا إلى أن اضطراب الملاحة جاء كإجراء احترازي من شركات الشحن، بعد تحذير شركات التأمين من إلغاء الوثائق ورفع الأقساط. أي أن الأزمة بدأت من الخوف قبل الهجوم المباشر.
لكن إذا استمر النزاع أكثر من 3 أسابيع، سيستنفد منتجو النفط في دول مجلس التعاون الخليجي طاقتهم التخزينية. عندها سيضطرون إلى إيقاف الإنتاج. وهذا السيناريو كفيل بقفزة سعرية حادة.
آلان جيلدر، نائب الرئيس الأول في “وود ماكنزي”، قال إن تدفقات الطاقة عبر المضيق قد تحتاج أسابيع للعودة إلى طبيعتها، في حال تعاون النظام الإيراني مع الولايات المتحدة. لكنه حذر من أن الأسعار قد تتجاوز 100 دولار إذا لم تُستأنف حركة الناقلات سريعًا، حتى مع خطط “أوبك بلس” لزيادة الإنتاج في أبريل.
الدكتورة سهر الدماطي ترى أن “الطاقة الإنتاجية الفائضة لا تعني شيئًا إذا تعذر نقل النفط”. وتضيف أن الممرات البحرية عنصر أساسي في معادلة العرض. وإذا تعطل النقل، تصبح الزيادات المعلنة بلا أثر فعلي.
الأسواق تراهن الآن على عامل الوقت. كل يوم إغلاق أو تعطيل يضيف دولارات جديدة إلى البرميل. وكل أسبوع يرفع احتمالات انتقال الأزمة من تقلب مؤقت إلى صدمة هيكلية.
يناير – فبراير – مارس 2026 تكشف هشاشة نظام الطاقة العالمي أمام صراع إقليمي. الأسعار ترتفع. علاوة المخاطر تتضخم. وسيناريو 100 دولار لم يعد افتراضًا بعيدًا، بل احتمالًا يتقدم خطوة بعد أخرى مع كل يوم يستمر فيه اضطراب مضيق هرمز.

