مرّر مجلس النواب حزمة أربع اتفاقيات قروض جديدة لتمويل مشروعات في قطاع النقل، في مقدمتها استكمال مشروع سكة حديد العاشر من رمضان، رغم اعتراضات نيابية حادة حذّرت من تفاقم عبء الدين العام وتحميل المواطنين كلفة إضافية في ظرف اقتصادي ضاغط.
الموافقة جاءت رسمية وحاسمة. الاعتراضات كانت واضحة ومعلنة. لكن النتيجة لم تتغير. الملف يتجاوز مشروعًا بعينه. يتعلق بنمط تمويل مستمر يعتمد على الاقتراض الخارجي والداخلي في وقت ترتفع فيه خدمة الدين وتضيق فيه المساحة المالية.
قروض جديدة في بيئة مالية مشدودة
حزمة القروض تشمل اتفاقيات لتمويل مشروعات بنية تحتية في النقل، بينها قرض دولي لاستكمال المرحلة الجديدة من سكة حديد العاشر من رمضان. الحكومة تطرحها باعتبارها ضرورة لتطوير البنية الأساسية ودعم التنمية.
لكن السؤال الذي طُرح تحت القبة لم يكن عن أهمية النقل. بل عن قدرة الموازنة على تحمل مزيد من الالتزامات. خدمة الدين تستحوذ بالفعل على نسبة كبيرة من الإنفاق العام. وكل قرض جديد يضيف أقساطًا وفوائد تمتد لسنوات.
الدكتور فخري الفقي، أستاذ الاقتصاد، يرى أن “الاقتراض في حد ذاته ليس خطأ، لكن المشكلة في وتيرته وحجمه مقارنة بمعدل نمو الإيرادات”. ويضيف أن التوسع في القروض “يجب أن يقترن بخطة واضحة لزيادة الإنتاج والصادرات”.
في ظل تضخم مرتفع وضغوط على العملة، يصبح تمويل المشروعات عبر الدين أكثر حساسية. الأسواق تراقب. والمستثمرون يعيدون تسعير المخاطر بسرعة.
تحذيرات من أثر مباشر على المواطن
الاعتراضات النيابية ركزت على الأثر الاجتماعي. لا مزيد من الديون على المواطن، كانت الرسالة الأساسية. المخاوف تتعلق بزيادة الضغوط على الأسر في ظل أوضاع معيشية صعبة، وغياب خطة واضحة لمعالجة التضخم وتحسين مستوى المعيشة.
الدكتور مصطفى بدرة، الخبير الاقتصادي، يؤكد أن “مستويات الدين الحالية تتطلب إدارة دقيقة لمصادر التمويل، لأن أي زيادة غير محسوبة قد تنعكس على الإنفاق الاجتماعي”. ويشير إلى أن تحسين بعض المؤشرات لا يلغي المخاطر المرتبطة بحجم الدين.
القلق يمتد إلى تأثير القروض على دعم الطاقة والخدمات الأساسية. إذا زادت كلفة التمويل، قد تضطر الحكومة لإعادة ترتيب أولويات الإنفاق، ما ينعكس على برامج الحماية الاجتماعية.
تقارير دولية، بينها صندوق النقد الدولي، أشارت إلى أن الدين والتمويل الخارجي لا يزالان يشكلان تحديًا هيكليًا. التوصيات تتحدث عن توسيع القاعدة الضريبية وتقليص الأعباء المالية لضمان الاستدامة.
موافقة رسمية… وجدال مستمر
رئيس المجلس أكد أن البرلمان يقوم بدوره الوطني في دعم مشروعات البنية التحتية والتنمية. الرسالة الرسمية واضحة: المشروعات ضرورية، والتمويل جزء من استراتيجية التطوير.
لكن الدكتور هاني توفيق، الخبير الاقتصادي، يحذر من أن “تكرار نمط الاقتراض دون تقييم دوري للعائد يخلق فجوة بين الكلفة والنتيجة”. ويضيف أن الرقابة البرلمانية يجب أن تركز على جدوى المشروعات وليس فقط على تمرير الاتفاقيات.
المسألة لا تتعلق بمعارضة التنمية. بل بطريقة تمويلها. إذا لم تحقق المشروعات عائدًا يغطي كلفة الدين، تتحول إلى عبء طويل الأجل. وإذا ارتفعت أسعار الفائدة عالميًا، تزيد كلفة الاقتراض الجديد.
يناير – فبراير – مارس 2026 تشهد ضغوطًا متراكمة على المالية العامة. القروض تمر. الجدل يتكرر. والأرقام تظل محور النقاش.
في ختام الجلسة، عبّر عدد من النواب عن رفضهم للاتفاقيات، بينهم إيرين سعيد، مها عبد الناصر، وأحمد فرغلي، بينما أكد النائب محمد عبد العليم داوود رفضه الحزمة واعتبرها عبئًا إضافيًا. لكن التصويت حسم الأمر.
الموافقة تمت. الملف لم يُغلق. والسؤال سيظل حاضرًا في كل موازنة قادمة: إلى أي حد يمكن للاقتصاد تحمّل مزيد من الديون دون أن يدفع المواطن الثمن؟

