وافق مجلس النواب على أربع اتفاقيات قروض جديدة لاستكمال المرحلة الثالثة من مشروع القطار الكهربائي الخفيف بمدينة العاشر من رمضان، في وقت تتزايد فيه الضغوط على الموازنة العامة واحتياجات البنية الأساسية في المحافظات الأكثر كثافة سكانية.
المرحلة الجديدة تمتد بطول 20.4 كم من محطة “الفنون والثقافة” إلى “العاصمة المركزية”، ضمن مشروع يصل إجمالي طوله إلى 105 كم ويضم 22 محطة على 5 مراحل. القيمة المعلنة للمرحلة الثالثة بلغت 393.5 مليون دولار، أي ما يعادل قرابة 19 مليار جنيه بأسعار الصرف الحالية، بينما تشير تقديرات داخل المجلس إلى أن المرحلتين الثالثة والرابعة تقتربان من 30 مليار جنيه.
النائب محمود سامي الإمام أعلن رفضه الاتفاقيات الأربع، مطالبًا بلجنة تقصي حقائق لدراسة الجدوى قبل تحميل الدولة قروضًا جديدة.
قروض ميسرة.. ولكن
الاتفاقيات شملت قرار رئيس الجمهورية رقم 652 لسنة 2024 بشأن الاتفاق الإطاري للقرض الميسر مع حكومة الصين، وقرارات أرقام 479 و480 و481 لسنة 2025 الخاصة بقروض ميسرة وتفضيلية مع بنك التصدير والاستيراد الصيني.
رئيس لجنة النقل وحيد قرقر أكد أن القروض تمتد لـ20 عامًا بينها 5 سنوات سماح، وأن المشروع يمثل نقلة نوعية في النقل الحضري ويربط شرق القاهرة بالمدن الجديدة مثل العاشر من رمضان والعاصمة الإدارية وبدر والشروق والعبور.
القروض وُصفت بأنها “ميسرة”. لكن الدكتور هاني توفيق، الخبير الاقتصادي، يرى أن “القرض الميسر يظل دينًا سياديًا يُسدد من الخزانة العامة، سواء حقق المشروع عائده أم لا”. ويضيف أن المشكلة ليست في سعر الفائدة فقط، بل في أولوية الإنفاق.
تكلفة 393.5 مليون دولار لمرحلة بطول 20.4 كم تعني متوسطًا يتجاوز 19 مليون دولار لكل كيلومتر. الرقم ليس بسيطًا في اقتصاد يعاني فجوة تمويلية وضغوط عملة.
أولويات إنفاق تحت المجهر
المشروع يخدم معالم مثل كاتدرائية ميلاد المسيح والمدينة الرياضية العالمية، ويرتبط بالقطار الكهربائي السريع في العاصمة. لكن السؤال يتعلق بحجم الطلب الفعلي وعدد المستخدمين المتوقعين مقارنة بتكلفة التمويل.
الدكتور فخري الفقي، رئيس لجنة الخطة والموازنة الأسبق، يشير إلى أن “أي مشروع نقل جماعي يجب أن يُقاس بعائد اقتصادي مباشر وغير مباشر، وليس فقط باعتباره رمزًا للتحديث”. ويوضح أن المدن الجديدة تحتاج كثافة سكانية مستقرة لضمان كفاءة التشغيل.
في المقابل، ما زالت طرق إقليمية في محافظات كالدقهلية تعاني نقص التمويل. الحديث عن تخصيص 30 مليار جنيه لأربع محطات في مناطق منخفضة الكثافة يثير تساؤلات حول عدالة توزيع الموارد.
المرحلة الثانية من المشروع كلفت 6 مليارات جنيه للوصول إلى الأوبرا، وفق ما أُعلن في الجلسة العامة. الأرقام تعكس نمط توسع رأسي في الإنفاق الرأسمالي، بينما تتزايد أعباء خدمة الدين سنويًا.
شبكة ذكية أم عبء طويل الأجل؟
الحكومة تؤكد أن القطار الكهربائي الخفيف جزء من شبكة نقل مستدامة وذكية، وأن تكامله مع القطار السريع يمثل نقطة تحول في كفاءة المنظومة. المشروع يُنفذ بالتعاون مع اتحاد شركات صينية، أبرزها مجموعة سكك حديد الصين الكبرى لهندسة الجسور وشركة “آفيك” الدولية.
الدكتورة سهر الدماطي، الخبيرة المصرفية، ترى أن “التمويل الخارجي لمشروعات البنية الأساسية قد يكون ضروريًا، لكن يجب ربطه بخطة واضحة للعائد وسداد القروض دون ضغط إضافي على سعر الصرف”. وتضيف أن تكرار الاقتراض بالعملة الأجنبية يرفع حساسية الاقتصاد لأي تقلبات خارجية.
فترة سداد 20 عامًا تعني التزامًا ممتدًا حتى 2045 تقريبًا. خلال هذه الفترة، ستظل الأقساط والفوائد بندًا ثابتًا في الموازنة. ومع كل توسع جديد، يرتفع إجمالي الدين العام.
المشروع بطول 105 كم و22 محطة يبدو طموحًا. لكن الطموح وحده لا يكفي. الجدوى الاقتصادية، كثافة الاستخدام، وتكلفة التشغيل والصيانة عوامل حاسمة في تقييم الاستدامة.
مارس 2026 يشهد تمرير اتفاقيات جديدة في قطاع النقل، بينما تزداد الدعوات لمراجعة أولويات الإنفاق العام. القطار الكهربائي الخفيف قد يمثل نقلة نوعية. وقد يتحول إلى عبء طويل الأجل إذا لم تتوازن الكلفة مع العائد.
في النهاية، الجدل لا يتعلق بفكرة النقل الجماعي، بل بترتيب الأولويات في اقتصاد محدود الموارد. والاختبار الحقيقي لن يكون في افتتاح المحطات، بل في أرقام التشغيل وسداد الأقساط خلال السنوات المقبلة.

