تختبر طهران قدرتها على الصمود بعد الضربة الأمريكية–الإسرائيلية الواسعة التي استهدفت قيادات عسكرية ومواقع حساسة داخل إيران أواخر فبراير 2026. الضربة لم تكن محدودة. الحديث يدور عن اغتيال قيادات بارزة، وتدمير أهداف عسكرية، وإرباك مراكز قرار. السؤال المباشر الآن: هل نجحت إيران في امتصاص الصدمة، أم أن ما يجري مجرد إعادة تموضع قبل رد أكبر؟

 

المؤكد أن حجم الخسائر المعلن، سواء في عدد القادة أو في البنية العسكرية، يشير إلى اختراق أمني عميق. لكن المؤكد أيضًا أن النظام الإيراني لم يُظهر مؤشرات انهيار مؤسسي سريع. البيانات الرسمية شددت على “استمرار المعركة” وعلى جاهزية بدائل قيادية. هذا التناقض بين الخسارة والجاهزية هو جوهر المشهد الحالي.

 

خسائر القيادة.. ضربة موجعة لكن ليست قاتلة

 

استهداف شخصيات في الصف الأول، بينها قيادات بالحرس الثوري ووزارة الدفاع، يمثل ضربة ثقيلة لأي دولة. لأن القيادات لا تُستبدل بسهولة. الخبرة والعلاقات والملفات الحساسة لا تنتقل بقرار إداري بسيط. ومع ذلك، يعتمد النظام الإيراني منذ عقود على بنية مؤسسية موازية تتيح الإحلال السريع.

 

يرى علي فايز، مدير مشروع إيران في “مجموعة الأزمات الدولية”، أن طهران بنت منظومة قيادة مزدوجة خلال السنوات الماضية، بحيث لا يؤدي اغتيال شخص واحد أو عدة أشخاص إلى شلل كامل. لكنه يؤكد أن الضربة الأخيرة تختلف من حيث التزامن والكثافة، وهو ما يرفع كلفة إعادة التوازن داخليًا.

 

الخسارة ليست فقط في الأشخاص. هناك خسارة في صورة الردع. لأن نجاح ضربة بهذا العمق يفتح شهية الخصم على تكرارها. في المقابل، أي رد إيراني واسع قد يدفع المنطقة إلى مواجهة مفتوحة لا يمكن التحكم بمداها. هذه المعادلة تضع القيادة الإيرانية أمام خيارين كلاهما مكلف.

 

جاهزية الرد.. بين استعراض القوة وحسابات البقاء

 

أعلنت طهران أنها بدأت ردًا عسكريًا واسع النطاق بالصواريخ والطائرات المسيّرة. بعض الضربات طالت أهدافًا عسكرية في محيط إسرائيل، مع حديث عن استهداف قواعد أمريكية في الإقليم. لكن طبيعة الرد حتى الآن تبدو محسوبة. ضربات محددة. رسائل مباشرة. دون اندفاع شامل.

 

يقول مايكل نايتس، الباحث المتخصص في شؤون الأمن الإقليمي، إن إيران تميل في مثل هذه الحالات إلى “رد متعدد الطبقات”. أي استخدام أدوات مباشرة وغير مباشرة في وقت واحد. صواريخ. حلفاء إقليميون. ضغط سيبراني. لكن دون الوصول إلى حرب شاملة إذا لم تُفرض عليها.

 

نايتس يلفت إلى أن طهران تحاول إثبات أنها ما زالت قادرة على المبادرة. لأن عدم الرد يعني قبول معادلة جديدة. بينما الرد المفرط قد يفتح جبهات لا تملك السيطرة عليها. لذلك نرى ردًا تدريجيًا، يختبر رد الفعل الأمريكي والإسرائيلي خطوة بخطوة.

 

الجاهزية العسكرية الإيرانية لم تُختبر بعد في مواجهة مفتوحة كاملة. ما يجري حتى الآن أقرب إلى تبادل ضربات محدودة النطاق. لكن استمرار هذا الإيقاع قد يحوّل الاشتباك المحدود إلى حرب استنزاف إقليمية.

 

امتصاص الصدمة أم تأجيل الانفجار؟

 

السؤال الأكثر حساسية يتعلق بالداخل الإيراني. هل أثّرت الضربة على تماسك النظام؟ حتى الآن، لا مؤشرات على انقسام علني داخل مؤسسات الحكم. بل على العكس، الخطاب الرسمي يركّز على “استمرارية الدولة” و”جاهزية البدائل”.

 

تقول سنم وكيل، مديرة برنامج الشرق الأوسط في “تشاتام هاوس”، إن الأنظمة التي تتعرض لضربات خارجية كبرى تميل إلى توحيد الصف داخليًا مؤقتًا. لكنها تحذر من أن استمرار الاستنزاف قد يفتح لاحقًا أسئلة اقتصادية واجتماعية أكثر تعقيدًا، خاصة إذا ترافقت المواجهة مع عقوبات أو تعطّل في قطاعات حيوية.

 

الاقتصاد الإيراني يعاني أصلًا من ضغوط مزمنة. أي تصعيد طويل قد يضغط على العملة والأسواق والطاقة. وفي ظل بيئة إقليمية متوترة، يصبح الامتصاص الأولي للضربة مجرد مرحلة. المرحلة الأخطر هي القدرة على الاستمرار دون انهيار اقتصادي أو انفجار اجتماعي.

 

من جهة أخرى، إعلان مقتل قيادات لا يعني بالضرورة توقف البرامج العسكرية. البنية التحتية الصناعية والعلمية لا تُمحى بضربة واحدة. لكن إعادة ترتيب القيادة تحت النار ليست مهمة سهلة. كل قرار يصبح أكثر حساسية. كل تحرك محسوب بدقة.

 

المنطقة على حافة توازن هش

 

المشهد الآن أقرب إلى توازن هش. إسرائيل والولايات المتحدة تعتبران الضربة نجاحًا استباقيًا. إيران تعتبر الرد ضرورة وجودية. دول الإقليم ترفع درجة الاستعداد. الأجواء تُغلق جزئيًا. القواعد تُحصّن. والأسواق تراقب بقلق.

 

هل نجحت طهران في امتصاص الضربة؟ جزئيًا نعم، بمعنى أنها لم تنهَر مؤسسيًا. لكنها لم تخرج منها دون ضرر عميق. الخسائر القيادية كبيرة. الاختراق الأمني واضح. والردع تعرّض لاختبار قاسٍ.

 

الأيام المقبلة ستكون حاسمة. إذا استمر الرد الإيراني مضبوطًا الإيقاع، قد يبقى الصراع في حدود اشتباك متدرج. أما إذا اتسع نطاق الضربات أو سقط عدد كبير من المدنيين أو استُهدفت منشآت استراتيجية، فقد تنتقل المنطقة إلى مرحلة أكثر خطورة.

 

النتيجة النهائية لم تتضح بعد. لكن المؤكد أن ما جرى في فبراير 2026 غيّر قواعد الاشتباك. ولم يعد السؤال إن كانت المواجهة ستتسع، بل متى وكيف وبأي كلفة.