تفتح كتائب حزب الله في العراق باب تصعيد جديد، بعد إعلانها السبت 28 فبراير 2026 أنها ستبدأ “قريبًا” بمهاجمة القواعد العسكرية الأميركية، ردًا على ما وصفته بـ“الاعتداء” الأخير في المنطقة. البيان، المتداول عبر مقربين من الفصيل، يضع العراق مجددًا في قلب صراع إقليمي يتسع بسرعة، ويهدد بتحويل البلاد إلى ساحة اشتباك بالوكالة بدلًا من دولة تحاول تجنب الانفجار.

 

التهديد لم يحدد توقيتًا أو طبيعة العمليات، لكنه تحدث عن “رد مباشر ومفتوح” واعتبر القواعد الأميركية في العراق والمنطقة “أهدافًا مشروعة”. هذا النوع من الصياغات لا يترك مساحة كبيرة للتأويل. هو رسالة ردع ووعيد في آن واحد. وهو أيضًا اختبار للحكومة العراقية وقدرتها على منع انزلاق البلاد إلى دورة هجمات وردود، تتوسع خارج حدود السيطرة.

 

تهديد “قريبًا” بلا توقيت.. ورسالة ضغط على الحكومة قبل واشنطن

 

البيان يأتي في سياق إقليمي متفجر. تقارير دولية تحدثت عن ضربات أميركية–إسرائيلية على إيران وردود إيرانية شملت استهداف قواعد أميركية في الإقليم، ما يعني أن العراق لم يعد بعيدًا عن خط النار حتى لو لم يطلق رصاصة واحدة. المشكلة أن الفصائل المسلحة تتعامل مع الجغرافيا العراقية باعتبارها منصة رسائل، بينما يدفع السكان ثمن أي خطأ حسابي في الأمن والخدمات والاقتصاد.

 

مايكل نايتس، الباحث المتخصص في شؤون العراق والجماعات المسلحة المدعومة من إيران، يرى أن تهديدات هذا النوع تُستخدم عادة لفرض “معادلة ردع” قبل وقوع الضربة لا بعدها، ولرفع تكلفة أي قرار أميركي جديد في المنطقة. ويشير إلى أن عنوان “القواعد في العراق والمنطقة” يعني توسيع بنك الأهداف سياسيًا، حتى لو بدأ التنفيذ داخل العراق أولًا.

 

في المقابل، تحاول واشنطن عادة إبقاء قواتها داخل إطار “التحالف الدولي” ومهام التدريب والدعم، لكن واقع الميدان يقول إن القواعد تصبح أهدافًا بمجرد ارتفاع حرارة الإقليم. وهنا تتحول المعادلة إلى لعبة أعصاب. الفصيل يهدد. القوات ترفع التحوط. الحكومة العراقية تُترك وسط النار، لأنها مطالبة بالتهدئة، وفي الوقت نفسه لا تملك أدوات كاملة لفرض احتكار السلاح.

 

الساحة العراقية تشتعل بالتراكم.. هجمات متبادلة وقلق من كسر “الخطوط”

 

الإعلان جاء بينما تتحدث تقارير عن هجمات متبادلة طالت مواقع عسكرية داخل العراق، بعضها مرتبط بفصائل مسلحة، إضافة إلى مخاوف من استهداف قواعد تضم قوات أميركية في شمال البلاد. هذا التراكم يجعل أي بيان تهديد أكثر خطورة، لأن الأرض مشحونة أصلًا. ومع غياب سقف سياسي واضح، يصبح “الرد المقبل” مرشحًا لأن يفتح سلسلة ردود مضادة بلا نهاية.

 

حمزة حداد، الباحث السياسي المقيم في بغداد، يلفت إلى أن العراق في كل موجة تصعيد إقليمي يدفع ثمنًا مضاعفًا. لأن الانقسام الداخلي يمنع قرارًا سياديًا موحدًا. ولأن الاقتصاد يتأثر بسرعة. ولأن أي اشتباك حول قاعدة أو قافلة يتحول فورًا إلى أزمة رأي عام، ثم إلى ضغط على الحكومة، ثم إلى مزايدات من الأطراف المتصارعة.

 

والقواعد الأميركية ليست نقطة واحدة. هي انتشار متعدد المواقع، خصوصًا في إقليم كردستان وغرب البلاد، ما يرفع احتمالات الهجوم إذا تحولت التهديدات إلى تنفيذ. في هذا السيناريو، يصبح العراق مسرحًا لاختبار الصواريخ والمسيرات. ويصبح المدنيون في محيط القواعد، والمطارات القريبة، والطرق السريعة، جزءًا من كلفة الحرب حتى لو لم يُذكروا في البيانات.

 

مخاوف اتساع المواجهة.. العراق بين “الاحتواء” وواقع السلاح المنفلت

 

بيان كتائب حزب الله يعكس اتساع التصعيد ليشمل فصائل حليفة لإيران، وهو ما قد يحوّل العراق إلى ساحة مواجهة إضافية في النزاع الدائر. الحكومة العراقية تراقب التطورات وسط دعوات لاحتواء التوتر وتجنب صراع مفتوح. لكن المشكلة أن الدعوات وحدها لا توقف مسيّرة ولا تمنع صاروخًا، إذا قررت جهة مسلحة أن تفرض إيقاعها الخاص.

 

رناد منصور، مدير مبادرة العراق في “تشاتام هاوس”، يوضح أن لحظات التصعيد الإقليمي تضع الدولة العراقية أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما الاصطدام مع جماعات مسلحة تملك نفوذًا وشبكات، أو ترك الساحة تتدهور ثم محاولة “إدارة الأضرار”. ويضيف أن كل مرة يتحول فيها العراق إلى ساحة رسائل، تتراجع أولويات الإصلاح والخدمات، ويتقدم منطق الطوارئ والأمن.

 

الساعات المقبلة ستكون فاصلة، ليس لأن الحرب ستنتهي، بل لأن شكل العراق داخلها سيتحدد. إذا بدأت الهجمات بالفعل، ستتسع دائرة المخاطر: رد أميركي محتمل، ارتباك الملاحة، تشديد أمني، وتوتر اجتماعي. وإذا لم تبدأ، سيبقى التهديد قائمًا كأداة ضغط. في الحالتين، العراق يدفع ثمن “ساحة إضافية” في حرب لم يختر توقيتها ولا حدودها.