يسجل المصريون منذ 2013 مسارًا ماليًا متقلبًا بدأ بموجات اقتراض متتالية ووعود “مشروعات كبرى”، وتبعه طرح أوعية ادخارية متغيرة القواعد. هذا المسار مرّ بشهادات مرتبطة بمشروع قناة السويس، ثم توسّع مع تمويل مشروعات مثل العاصمة الإدارية الجديدة، وانتهى إلى سياسات نقدية تتبدل بسرعة، فتضرب مدخرات الناس في العمق. النتيجة على الأرض واضحة: المواطن يضع ماله في البنك، ثم يكتشف أن قيمته الحقيقية تتآكل مهما بدا العائد مرتفعًا على الورق.
يقول الخبير الاقتصادي هاني توفيق إن مشكلة الادخار في مصر ليست في “رقم الفائدة” وحده، بل في العائد الحقيقي بعد خصم التضخم وتراجع العملة. ويضيف أن أي سياسة لا تحفظ القوة الشرائية للمدخرات تخلق ضغطًا اجتماعيًا، لأن شريحة واسعة تعتمد على عائد شهري ثابت للمعيشة لا للمضاربة.
من 7 إلى 50.. الجنيه يهبط والادخار يفقد معناه
خلال السنوات التي أعقبت 2013 تراجع سعر صرف الجنيه من نحو 7 جنيهات للدولار إلى ما يقارب 50 جنيهًا في السوق. هذه القفزة لم تكن رقمًا اقتصاديًا فقط، بل ترجمتها الأسر في أسعار غذاء ودواء وإيجار وفواتير. ومع كل موجة انخفاض، كانت المدخرات تفقد جزءًا من قيمتها الحقيقية حتى لو ارتفعت الفائدة مؤقتًا، لأن الخسارة الأساسية جاءت من العملة نفسها.
الأثر الأكبر ظهر لدى كبار السن وأصحاب المعاشات وصغار المودعين الذين يعتمدون على “العائد الشهري” كدخل مساعد. ومع اتجاه البنك المركزي إلى خفض الفائدة مؤخرًا إلى 19% بعد أن بلغت 27.25% في مارس 2024، تقلص هذا الدخل فجأة. كثيرون لم يكن لديهم بديل. لا قدرة على المخاطرة. ولا هامش لتحمّل تقلبات السوق.
الخبير المصرفي محمد بدرة يرى أن انتقال السياسة من “عائد مرتفع” إلى “خفض سريع” يربك الأسر التي بنت التزاماتها الشهرية على عائد ثابت. ويشير إلى أن المودع الصغير لا يملك أدوات تحوط مثل الشركات أو كبار المستثمرين. بالتالي يتحول قرار خفض الفائدة، في حياته اليومية، إلى تقشف إجباري وليس “إصلاحًا نقديًا”.
صدمة الشهادات.. 2200 تنكمش إلى 500 وسند جديد بلا ثقة كافية
جزء من الغضب جاء من طريقة إدارة “الشهادات” نفسها. مودعون فوجئوا بإلغاء شهادات سنوية مرتفعة العائد واستبدالها بشهادات 3 سنوات بعائد متدرج يتراجع سنويًا، أو ترك الأموال في حسابات بعائد منخفض لا يتجاوز 8% في بعض الحالات. الحساب هنا صار قاسيًا: العائد الشهري قد يهبط إلى قرابة 500 جنيه لكل 100,000 جنيه مودعة، بعدما كان يصل إلى 2,200 جنيه في ذروة العوائد المرتفعة.
في المقابل، تظهر أوعية ادخارية بعوائد أعلى لكنها مصممة عمليًا لأصحاب الأرصدة الكبيرة التي تبدأ من عدة ملايين جنيه. الفجوة هنا ليست نفسية فقط. إنها فجوة في القدرة على الوصول إلى “عائد أفضل” داخل نفس الجهاز المصرفي. صغار المدخرين يُدفعون إلى هامش العائد. وكبار الأرصدة يحصلون على شروط أقوى، لأن البنك يبحث عن السيولة الأكبر والأسرع.
الخبير الاقتصادي فخري الفقي يلفت إلى أن الدولة حين تعتمد على أدوات الدين الداخلية بشكل متكرر، فإنها تخلق منافسة مباشرة مع معيشة الناس. الحكومة تريد تمويلًا سريعًا. والبنوك تبحث عن سيولة مستقرة. لكن المواطن الصغير يصبح الحلقة الأضعف عندما تُعاد هندسة العوائد دون شبكة حماية واضحة، خصوصًا مع غياب تعويض حقيقي عن تآكل الجنيه.
ضمن هذا السياق ظهر “سند المواطن” كأداة دين جديدة طرحتها وزارة المالية بعائد سنوي 17.75% لمدة 18 شهرًا عبر مكاتب البريد. الهدف المعلن هو جذب السيولة. لكن الإقبال بقي محدودًا، لأن الناس تسأل سؤالًا واحدًا: هل هذا العائد سيحمي القيمة الشرائية فعلًا أم أنه رقم سيبتلعه الغلاء قبل نهاية المدة، خاصة مع ارتفاع الأسعار قبيل رمضان؟
الذهب والعقار ملاذان.. والحكومة تتحدث عن الاستثمار والمتضررون عن الاستنزاف
مع انخفاض العائد البنكي وتآكل الجنيه، اتجه بعض المودعين إلى الذهب أو إلى استثمارات عقارية صغيرة باعتبارها أدوات تحوط “تحفظ القيمة” نسبيًا. هذا التحول ليس اختيارًا مريحًا للجميع. الذهب متقلب. والعقار يحتاج سيولة كبيرة ومصاريف. لكن الدافع مفهوم: المودع يحاول الهروب من عائد اسمي لا يغطي فقدان العملة وارتفاع الأسعار.
مراقبون يرون أن الطروحات المتكررة للأدوات الادخارية تعكس احتياجًا متزايدًا للتمويل الداخلي في ظل أعباء ديون متراكمة. وفي المقابل يؤكد اقتصاديون أن خفض الفائدة لا يعني تلقائيًا انخفاض أسعار السلع، ما يجعل العائد الحقيقي على المدخرات سالبًا في كثير من الأحيان. النتيجة هي اقتصاد يُكافئ المخاطرة ويعاقب الادخار المحافظ.
الحكومة تقول إن خفض الفائدة يستهدف دعم الاستثمار وتقليل تكلفة الاقتراض وتحفيز النمو. لكن متضررين يرون أن السياسات المتعاقبة منذ 2013 استنزفت مدخرات الطبقة المتوسطة. الضغوط المعيشية لم تتراجع. كلفة الحياة ارتفعت. والعائد الشهري الذي كان يغطي أساسيات صار بالكاد يشتري جزءًا منها.
في النهاية، يجد صغار المودعين أنفسهم أمام خيارات محدودة وواضحة: عائد مصرفي متراجع، أو دخول في مخاطر لا تناسب طبيعة مدخراتهم، أو تحويل ما تبقى إلى ذهب وعقار دون ضمان. هذا ليس “تغيير ذوق ادخاري”. إنه انعكاس لتحول عميق في القدرة الشرائية وفي ثقة الناس بأن الادخار في البنك يحمي المستقبل.

