تحولت التطورات العسكرية المرتبطة بالهجوم الأمريكي–الإسرائيلي على إيران إلى اختبار فوري للدول العربية المحيطة. خلال ساعات، صدرت قرارات إغلاق مجالات جوية وتعليق رحلات وإجراءات أمنية للبعثات الدبلوماسية. الرسالة واحدة: الخطر لم يعد نظريًا، والمنطقة تتصرف على أساس أن التصعيد قد يتسع بلا إنذار.

 

اللافت أن الإجراءات لم تقتصر على مسارات الطيران، بل امتدت إلى تعليمات “البقاء في أماكن الإقامة” لموظفين دبلوماسيين أمريكيين في أكثر من عاصمة خليجية، بالتوازي مع رسائل رسمية داخلية تحاول طمأنة الشارع. هذه الازدواجية تعكس فجوة بين خطاب الاستقرار ومتطلبات إدارة أزمة متحركة.

 

العراق يغلق أجواءه.. قرار سيادي يجمّد الحركة ويكشف خطورة الممرات

 

أعلنت وزارة النقل العراقية إغلاق المجال الجوي العراقي بالكامل “حتى إشعار آخر”. القرار يعني عمليًا تجميد واحد من أهم الممرات الجوية في المنطقة، وإعادة توجيه الرحلات لمسارات أطول وأعلى تكلفة، وسط توقعات بارتباك في جداول الطيران الإقليمي والدولي.

 

المتحدث باسم وزارة النقل ميثم الصافي قال إن السلطات أفرغت الأجواء من جميع الرحلات قبل تنفيذ قرار الإغلاق. الخطوة قُدمت باعتبارها إجراء سلامة لحماية الطيران المدني من أي مخاطر محتملة، في ظل اتساع نطاق العمليات العسكرية المحيطة بالعراق.

 

إغلاق أجواء العراق لا ينفصل عن جغرافيا البلد. العراق يقع على تماس غير مباشر مع مسارات اشتباك محتملة، ويضم أجواء تستخدمها شركات دولية لعبور الشرق الأوسط. لذلك يأتي القرار كإشارة إلى أن الخطر قد يشمل مسارات بعيدة عن خطوط النار التقليدية.

 

لكن القرار يحمل كلفة اقتصادية فورية. شركات الطيران تتحمل وقتًا إضافيًا ووقودًا أكثر. المطارات والركاب يدفعون ثمن الارتباك. وفي لحظة توتر، تصبح السلامة أولوية، لكن الثمن يظل حاضرًا في خلفية أي “إجراء احترازي”.

 

الكويت توقف الرحلات إلى إيران.. سلامة الطيران قبل السياسة

 

في الكويت، قررت الهيئة العامة للطيران المدني وقف وإلغاء جميع الرحلات المتجهة إلى إيران حتى إشعار آخر. القرار جاء بصيغة واضحة. لا رحلات إلى وجهة يعتبر المجال الجوي المرتبط بها مصدر مخاطرة، مهما كانت الحاجة التشغيلية أو ضغط الطلب.

 

المتحدث باسم الهيئة عبدالله الراجحي قال إن الإجراء يستند إلى اعتبارات السلامة الجوية، في ضوء الأوضاع السياسية والعسكرية الراهنة، وإغلاق الأجواء الإيرانية. وأكد الالتزام بالمعايير الدولية المعتمدة في مثل هذه الظروف الاستثنائية.

 

هذه الصياغة تقطع الطريق على أي تأويل سياسي مباشر. لكنها لا تلغي أن القرار يحدث في سياق إقليمي مشحون. عندما تُغلق مسارات السفر إلى إيران، فإن ذلك يعكس تقييمًا بأن احتمالات التصعيد قد تمس المطارات والطرق الجوية ونقاط العبور.

 

على المستوى العملي، تعليق الرحلات يعني تأثيرًا على الجاليات والتنقلات العائلية والرحلات التجارية. وهو يفرض على شركات الطيران خطط بديلة للمسافرين، وتنسيقًا مع دول العبور، وربما إعادة جدولة واسعة إذا طال “حتى إشعار آخر”.

 

قطر والبحرين ولبنان.. طمأنة رسمية مقابل تعليمات أمنية ونداء لتجنب “المغامرات”

 

في قطر، أعلنت وزارة الداخلية أن الأوضاع الأمنية مستقرة وآمنة، ولا توجد مؤشرات تدعو للقلق على مستوى الأمن الداخلي في الوقت الحالي. الرسالة موجهة للداخل، وهدفها منع الذعر وإبقاء الحياة اليومية تعمل بأقل قدر من الارتباك.

 

لكن في الوقت نفسه، نقلت وكالة رويترز أن السفارة الأمريكية في الدوحة طلبت من موظفيها البقاء في أماكن إقامتهم حتى إشعار آخر، وأوصت المواطنين الأمريكيين باتباع الإجراء نفسه. هذا التباين يعكس طبيعة إدارة المخاطر لدى البعثات الأجنبية.

 

الصورة تكررت في البحرين. السفارة الأمريكية فرضت تعليمات مؤقتة تقضي ببقاء الموظفين في أماكن إقامتهم، مع دعوة المواطنين الأمريكيين للالتزام بالإرشادات ذاتها إلى حين صدور تعليمات جديدة. الإجراء يُقرأ كاحتياط أمني لا كحكم نهائي على الموقف.

 

هذا النوع من التعليمات لا يعني بالضرورة أن ضربة وشيكة ستقع. لكنه يعني أن تقدير المخاطر ارتفع، وأن الخيارات الأسلم هي تقليل الحركة وتجنب التجمعات وتخفيض التعرض لأي طارئ. وهي لغة أزمات مألوفة عندما تتغير المعطيات سريعًا.

 

في لبنان، جاءت الاستجابة مختلفة في طبيعتها لكنها متصلة بالقلق نفسه. رئيس الوزراء نواف سلام دعا المواطنين إلى التحلي بالحكمة وتغليب المصلحة الوطنية. وقال إن الحكومة لن تقبل إدخال البلاد في “مغامرات” قد تهدد أمنها أو وحدتها.

 

دعوة سلام تحمل رسالة مزدوجة. للداخل اللبناني بأن سقف المخاطرة يجب ألا يرتفع. وللقوى السياسية والعسكرية بأن ارتدادات التصعيد الإقليمي لن تُدار بالارتجال. لبنان في موقع حساس، وأي انزلاق قد يحول التوتر الخارجي إلى أزمة داخلية.

 

الخلاصة أن قرارات الإغلاق والتعليق والتعليمات الدبلوماسية ليست تفاصيل تقنية. هي إشارات سياسية وأمنية في قلب أزمة إقليمية. وفي فبراير الجاري، تتصرف دول عربية على أساس أن الأسوأ ممكن، وأن إدارة الخطر تبدأ من السماء قبل الأرض.