تشهد الأسواق المحلية والعالمية موجة صعود حادة في أسعار الذهب والعملات الأجنبية، بالتزامن مع تصاعد التوترات بين إيران والولايات المتحدة، وترقب توجيه ضربة عسكرية محتملة. التحركات جاءت سريعة، ومدفوعة بحالة عدم يقين اقتصادي عالمي، دفعت المستثمرين نحو الملاذات الآمنة، وفي مقدمتها الذهب والدولار.

 

سجل سعر جرام الذهب عيار 21، الأكثر مبيعا في مصر، ارتفاعا بقيمة 40 جنيها ليصل إلى 7000 جنيه، مقابل 6960 جنيها في تعاملات اليوم السابق. كما ارتفع عيار 18 إلى 6000 جنيه، وعيار 24 إلى 8000 جنيه، فيما صعد الجنيه الذهب بقيمة 320 جنيها ليسجل 56 ألف جنيه.

 

يقول الدكتور هاني توفيق، الخبير الاقتصادي، إن التحركات الحالية “تعكس تسعيرا فوريا للمخاطر السياسية”، مشيرا إلى أن الذهب يستفيد مباشرة من أي تصعيد عسكري أو اضطراب في سلاسل الإمداد العالمية، خاصة في مناطق إنتاج الطاقة.

 

ضغوط جيوسياسية تدفع المستثمرين إلى الملاذات الآمنة

 

الارتفاعات الأخيرة ترتبط بتزايد حدة النزاعات الجيوسياسية، وقرارات اقتصادية دولية تتعلق بالرسوم الجمركية والسياسات النقدية للدول الكبرى. ويرى مراقبون أن الأسواق تترجم التصريحات السياسية إلى تحركات فورية في أسعار السلع والعملات.

 

رجل الأعمال نجيب ساويرس أعلن رفع استثماراته في الذهب إلى 70% من إجمالي محفظته مقابل 50% سابقا. ويركز حاليا على أنشطة الاستكشاف في مصر وأفريقيا وأمريكا اللاتينية عبر شركاته، مؤكدا أن دورة الاستثمار في القطاع تمتد لنحو 7 سنوات، وأنه لا يخطط للدخول في قطاعات جديدة خارج التعدين والعقارات.

 

ويعزو ساويرس صعود الأسعار إلى تصاعد النزاعات، متوقعا وصول سعر الأوقية إلى 6000 دولار، في ظل سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المتعلقة بالرسوم الجمركية. ويقول إن هذه السياسات تخلق ضغوطا تضخمية وتؤثر في الاستهلاك وأسعار الفائدة، ما يعزز جاذبية الذهب.

 

الدكتورة بسنت فهمي، الخبيرة المصرفية، ترى أن “تكرار الصدمات السياسية يغير خريطة توزيع الأصول عالميا”، موضحة أن المؤسسات الاستثمارية الكبرى تزيد مخصصاتها للذهب عند كل موجة توتر، كآلية تحوط ضد تقلبات العملات والتضخم.

 

تداعيات مباشرة على الجنيه وسوق الدين

 

تزامن صعود الذهب مع ارتفاع سعر الدولار مقابل الجنيه ليتجاوز 48 جنيها في عدد من المصارف المحلية، وسط ترقب اجتماع صندوق النقد الدولي. ويناقش المجلس التنفيذي للصندوق المراجعتين الخامسة والسادسة لبرنامج الإصلاح الاقتصادي، تمهيدا لصرف شريحة تبلغ 2.3 مليار دولار.

 

وسجلت مبيعات المستثمرين العرب والأجانب في سوق أدوات الدين الحكومي نحو 1.12 مليار دولار منذ بداية الأسبوع. وتعكس هذه التدفقات الخارجة حساسية العملة المحلية لتحركات الأموال الساخنة، التي تنتقل بسرعة بين الأسواق بحثا عن العائد المرتفع وتقليل المخاطر.

 

يقول الدكتور محمد معيط، الخبير في السياسات المالية، إن خروج جزء من استثمارات الأجانب “مرتبط بارتفاع درجة المخاطر عالميا وليس بعوامل محلية فقط”، مضيفا أن استقرار تدفقات النقد الأجنبي يعتمد على استعادة الثقة ووضوح الرؤية بشأن الأوضاع الإقليمية.

 

تذبذب أسعار الصرف وترقب قرارات دولية

 

في القطاع المصرفي، سجل مصرف أبوظبي الإسلامي أعلى سعر لشراء الدولار عند 48.12 جنيه و48.22 جنيه للبيع، بينما بلغ السعر في بنك مصر 48.08 جنيه للبيع. وسجل البنك المركزي المصري 47.88 جنيه للشراء و48.02 جنيه للبيع، مع زيادة ملحوظة في الطلب على العملة الصعبة.

 

كما بلغ السعر في بنوك الإسكندرية والمصرف العربي الدولي 47.98 جنيه للبيع، وفي بنك قناة السويس 48.05 جنيه. ووصل السعر في البنك التجاري الدولي والأهلي المصري إلى 47.88 جنيه للشراء و47.98 جنيه للبيع.

 

تتضمن إجراءات صندوق النقد صرف 2 مليار دولار من القرض الأساسي البالغ 8 مليارات دولار، إضافة إلى 300 مليون دولار من قرض الاستدامة. وتهدف الخطوات إلى دعم الاستقرار المالي وتعزيز مرونة الاقتصاد في مواجهة الصدمات.

 

الدكتور فخري الفقي، الخبير الاقتصادي، يؤكد أن “التمويلات الدولية توفر دعما مؤقتا للسيولة لكنها لا تلغي تأثير العوامل الخارجية”، مشددا على أن استمرار التوترات قد يبقي أسعار الذهب والدولار عند مستويات مرتفعة خلال الأشهر المقبلة.

 

في المقابل، نفى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وجود صعوبات في تنفيذ حملة عسكرية طويلة الأمد ضد إيران، مؤكدا تفضيل المسار الدبلوماسي رغم الأجواء المتوترة. لكن خبراء يرون أن مجرد احتمالات التصعيد كافية لإبقاء الأسواق في حالة ترقب حاد.

 

وتبقى تحركات الذهب والعملات مرهونة بتطورات المشهد الجيوسياسي وقرارات البنوك المركزية الكبرى، في وقت تتداخل فيه العوامل السياسية والاقتصادية بشكل غير مسبوق، ما يزيد من حدة التقلبات ويضع الأسواق أمام اختبارات مستمرة خلال فبراير الجاري.