اكتشف باحثون بجامعة كامبريدج طريقة بساعد من خلالها الصيام على تقليل الالتهاب- وهو أثر جانبي ضار محتمل لجهاز المناعة في الجسم، والذي يكمن وراء عدد من الأمراض المزمنة.

 

ووصف فريق البحث كيف يؤدي الصيام إلى رفع مستويات مادة كيميائية في الدم تُعرف باسم حمض الأراكيدونيك، والتي تُثبط الالتهاب. ويقول الباحثون إن ذلك قد يُفسر أيضًا بعض الفوائد العلاجية لأدوية مثل الأسبرين، وفق ما نشرت مجلة "سيل ريبورتس" في عام 2024.

 

وعرف الباحثون منذ فترة أن نظامنا الغذائي- وبخاصة النظام الغذائي الغربي عالي السعرات الحرارية - يمكن أن يزيد من خطر الإصابة بأمراض تشمل السمنة ومرض السكري من النوع الثاني وأمراض القلب، والتي ترتبط بالالتهاب المزمن في الجسم.

 

ما هو الالتهاب؟ 

 

والالتهاب هو استجابة الجسم الطبيعية للإصابة أو العدوى، ولكن يمكن أن تُحفز هذه العملية بآليات أخرى، بما في ذلك ما يُسمى بـ"الإنفلاماسوم"، الذي يعمل كجهاز إنذار داخل خلايا الجسم، مُحفزًا الالتهاب لحماية الجسم عند استشعار الضرر. 

 

غير أن الإنفلاماسوم قد يُحفز الالتهاب بطرق غير مقصودة، إذ تتمثل إحدى وظائفه في تدمير الخلايا غير المرغوب فيها، مما قد يؤدي إلى إطلاق محتويات الخلية في الجسم، حيث تُحفز الالتهاب.

 

قالت البروفيسورة كلير براينت من قسم الطب بجامعة كامبريدج: "نحن مهتمون للغاية بمحاولة فهم أسباب الالتهاب المزمن في سياق العديد من الأمراض البشرية، وعلى وجه الخصوص دور الإنفلاماسوم".

 

وأضافت: "ما أصبح واضحًا خلال السنوات الأخيرة هو أن أحد أنواع الإنفلاماسوم على وجه الخصوص - وهو إنفلاماسوم NLRP3 - مهم للغاية في عدد من الأمراض الرئيسة مثل السمنة وتصلب الشرايين، ولكن أيضًا في أمراض مثل مرض الزهايمر ومرض باركنسون، والعديد من أمراض كبار السن، وبخاصة في العالم الغربي".

 

الصيام وتقليل الالتهاب

 

وقد يساعد الصيام في تقليل الالتهاب، لكن السبب وراء ذلك لم يكن واضحًا. وللمساعدة في الإجابة على هذا السؤال، قام فريق بقيادة البروفيسور براينت وزملائه في جامعة كامبريدج والمعهد الوطني للصحة في الولايات المتحدة بدراسة عينات دم من مجموعة مكونة من 21 متطوعًا، تناولوا وجبة تحتوي على 500 سعر حراري ثم صاموا لمدة 24 ساعة قبل تناول وجبة ثانية تحتوي على 500 سعر حراري. 

 

ووجد الفريق أن تقييد السعرات الحرارية يزيد من مستويات حمض الأراكيدونيك، وهو نوع من الدهون. الدهون جزيئات تؤدي أدوارًا مهمة في أجسامنا، مثل تخزين الطاقة ونقل المعلومات بين الخلايا. وبمجرد تناول الأفراد وجبة طعام مرة أخرى، انخفضت مستويات حمض الأراكيدونيك.

 

وعندما درس الباحثون تأثير حمض الأراكيدونيك على الخلايا المناعية المزروعة في المختبر، وجدوا أنه يُثبط نشاط مُركب NLRP3 الالتهابي. وقد أثار هذا الأمر دهشة الفريق، إذ كان يُعتقد سابقًا أن حمض الأراكيدونيك مرتبط بزيادة مستويات الالتهاب، لا بانخفاضها.

 

وأضافت البروفيسور براينت، وهي زميل في كلية كوينز بجامعة كامبريدج: "هذا يوفر تفسيرًا محتملاً لكيفية حماية تغيير نظامنا الغذائي - وبخاصة عن طريق الصيام - لنا من الالتهابات، وخاصة الشكل الضار الذي يكمن وراء العديد من الأمراض المرتبطة بنظام غذائي غربي عالي السعرات الحرارية".

 

وتابعت: "من السابق لأوانه الجزم بأن الصيام يحمي من أمراض مثل الزهايمر وباركنسون، إذ أن تأثيرات حمض الأراكيدونيك قصيرة الأمد، لكن بحثنا يُضاف إلى كمٍّ متزايد من الدراسات العلمية التي تُشير إلى الفوائد الصحية لتقييد السعرات الحرارية. ويُشير إلى أن الصيام المنتظم لفترة طويلة قد يُساعد في تقليل الالتهاب المزمن المرتبط بهذه الحالات. إنها فكرة واعدة بلا شك".

 

النظام الغذائي مرتفع السعرات الحرارية يزيد من خطر الإصابة بالأمراض

 

وتشير النتائج أيضًا إلى آلية قد يزيد من خلالها النظام الغذائي مرتفع السعرات الحرارية من خطر الإصابة بهذه الأمراض. وأظهرت الدراسات أن بعض المرضى الذين يتبعون نظامًا غذائيًا غنيًا بالدهون لديهم مستويات مرتفعة من نشاط الإنفلاماسوم.

 

قالت البروفيسور براينت: "قد يكون هناك تأثير متبادل، حيث إن زيادة الشيء الضار تؤدي إلى زيادة نشاط الإنفلاماسوم، بينما يؤدي نقصه إلى تقليله. وقد يكون حمض الأراكيدونيك أحد الطرق التي يحدث بها ذلك".

 

ويقول الباحثون إن هذا الاكتشاف قد يُقدّم أيضًا أدلةً على آلية عمل غير متوقعة لما يُسمى بالأدوية المضادة للالتهابات غير الستيرويدية، مثل الأسبرين. ففي الوضع الطبيعي، يتحلل حمض الأراكيدونيك بسرعة في الجسم، لكن الأسبرين يُوقف هذه العملية، مما قد يؤدي إلى زيادة مستويات حمض الأراكيدونيك، الأمر الذي يُقلل بدوره من نشاط الإنفلاماسوم، وبالتالي الالتهاب.

 

قال البروفيسور براينت: "من المهم التأكيد على أنه لا ينبغي تناول الأسبرين لتقليل خطر الإصابة بأمراض مزمنة دون استشارة طبية، لأنه قد يكون له آثار جانبية مثل نزيف المعدة إذا تم تناوله لفترة طويلة".