يرسم شهر رمضان نموذجًا لحياة تُدار بالقيم قبل العادات، وبالمعنى قبل الإيقاع السريع. يمنح الشهر فضاءً مختلفًا يعيد للشباب صلتهم بالزمن: لا يعود الوقت كتلة ضاغطة تستهلك الطاقة وتربك الأهداف، بل يتحول إلى محطات واضحة تضبط اليوم وتفتح فرصًا للنمو والوعي.
يربط رمضان الفعل اليومي بغايات أخلاقية وإنسانية، فيحمي من الاستغراق في الاستهلاك العشوائي، ويعزز الإحساس بالمسؤولية تجاه الذات والمجتمع، ويصنع توازنًا داخليًا يساند الشاب أمام ضغوط الحياة الحديثة.
يؤكد مختصون وباحثون أن رمضان لا يكتفي بإطار تعبدي، بل يقدم «منهج حياة» يعيد تشكيل السلوك والوجدان. يصف أحد الخبراء الشهر بأنه لحظة تحوّل تعيد برمجة الفكر والقناعات، وتوجهها نحو آمال متجددة، لأن الزمن الرمضاني يختلف في طبيعته وأثره النفسي والروحي والاجتماعي، خصوصًا لدى الشباب الذين يعيشون تسارعًا دائمًا وتزاحمًا في المتطلبات.
زمنٌ منضبط.. ومعنى يتسلل إلى التفاصيل
يبرز رمضان كمدخل لإعادة النظر في العلاقة بالوقت، إذ تجعل شعائره كل لحظة فرصة للمحاسبة والارتقاء. يدرّب الصوم النفس على الصبر وتنمية الإرادة وضبط الجوارح، فيتعلم الإنسان إدارة ذاته بوعي ومسؤولية. يخلق تنظيم الصلاة والعبادة والراحة والطعام والقراءة والعمل تجربة زمنية مضبوطة وهادفة، فتتحول الدقيقة من «استهلاك» إلى «معنى»، وتزداد صلة الإنسان بربه وبنفسه وبالناس.
يمتد هذا الأثر إلى الصحة النفسية والفكرية، إذ يخفف التشتت الذي تفرضه المطالب العاجلة، ويفتح مساحة للسكون والطمأنينة عبر الذكر والتأمل والعبادة. يعزز الشهر أيضًا الانتماء الاجتماعي من خلال أعمال البر والصدقة والتطوع، فيقوى الشعور بالقيمة الذاتية، وتتجدد المسؤولية تجاه الآخرين، وتعلو القدرة على مواجهة التحديات بروح متوازنة وحس عملي.
ضد ثقافة الاستهلاك.. تدريب على ضبط الرغبات
يقدّم رمضان فرصة نوعية لإعادة ترتيب العلاقة بالمادة والرغبات. يدفع الصوم نحو تهذيب الشهوة الاستهلاكية، ويحوّل الإنفاق من استجابة لحظية إلى عطاء مستدام. يغرس في النفس القناعة والقدرة على التمييز بين الضروري والتسويقي، فيتراجع الاندفاع وراء إغراءات السوق وثقافة الترويج. بهذا المعنى، يكتمل رمضان كمدرسة لإدارة الذات والوقت: عبادة ترتبط بهدف سامٍ، وتربية تُقوّي الوعي، ونشاط اجتماعي يعمّق المعنى.
وتشير استشارية نفسية وتربوية إلى أن ضبط الوقت في رمضان يمكن أن يتحول إلى نمط مستدام بعد انقضاء الشهر إذا ربط الشاب سلوكه بنظام واضح بدل التعامل مع رمضان كطارئ يبرر السهر والخمول. تحذر من إدارة وقت تُحوّل الليل إلى مساحة طويلة للتسلية والنهار إلى وقت نوم، لأن ذلك يضعف النشاط والإنتاجية ويقلب الساعة البيولوجية ويؤثر في الصحة الجسدية والنفسية.
وتلفت إلى أن الإنتاجية قد ترتفع في رمضان لأن ساعات النهار تمتد للعمل والتركيز دون انقطاع بوجبة غداء، مع خفة في الجسد وصفاء في الذهن، وتستحضر من التاريخ نماذج تؤكد أن النهار في رمضان لا يرتبط بالخمول بل بالفعل والإنجاز.
كيف يتحول رمضان إلى تغيير دائم؟
يرى باحث في الاقتصاد السلوكي أن قوة رمضان تكمن في «شكل اليوم» نفسه: محطات ثابتة مثل السحور والفجر والعمل/الدراسة والعصر والإفطار والتراويح. يفسر علم السلوك ذلك ببساطة: عندما يتغير اليوم، تضعف العادات التلقائية، وتظهر مساحة لإعادة ترتيب السلوك. لكنه يحذر من رهان الناس على قوة الإرادة وحدها، ويقترح جعل السلوك الجيد سهلًا وصغيرًا ومربوطًا بوقت ثابت.
يلفت إلى أن كثيرًا من السلوكيات تعمل تلقائيًا: إمساك الهاتف بلا وعي، السهر لأن الوقت يطير، التوتر في الزحام، الأكل الزائد لأن المائدة عامرة. ويؤكد أن محطات رمضان تساعد على وضع قواعد بسيطة تقود اليوم بدل تركه يمضي بلا قيادة، مع أمثلة على تعديل عادات الهاتف والسهر بطريقة واقعية لا تقوم على المنع الكلي بل على إعادة الضبط.
ويشدد مختص في شؤون الحج على أن الوقت رأسمال الإنسان، وأن الإسلام يرسّخ قيمة الزمن عبر مواقيت الصلاة والصيام. يدعو إلى مراجعة عادة السهر وما تسببه من هدر للطاقة وضياع للنافع، ويؤكد أن بناء شخصية واعية تضبط النفس يحتاج تقليل المشتتات الرقمية، ووضع خطة يومية صباحًا ومساءً، ومحاسبة النفس، وترتيب الأولويات، والمشاركة الجماعية في الصلاة وقراءة القرآن وأعمال الخير حتى تتحول المكاسب إلى عادة تمتد طوال العام.
ويصف أستاذ علم الاجتماع رمضان بأنه «صدمة زمنية إيجابية» تعيد تعريف الوقت وتحوله من منظور كمي إلى نوعي. يمنح الشهر الشباب شعورًا بالسيطرة النسبية على يومهم عبر إيقاع جماعي منضبط يخفف سطوة الزمن الفردي المشتت الذي تفرضه التقنيات. ويخلص إلى أن رمضان يفتح «فرصة موضوعية» للتغيير عبر شرعية دينية ودعم اجتماعي شامل، لكن العامل الحاسم يبقى قدرة الفرد على تحويل الاستثناء الرمضاني إلى مكاسب زمنية دائمة.

