يعيش المشهد السياسي في دولة الإمارات، وتحديدًا في أبوظبي، حالة غير مسبوقة من الغموض مع تراجع الظهور العلني لرئيس الدولة محمد بن زايد، مقابل تصدّر شقيقه منصور بن زايد واجهة المشهد الرسمي والإعلامي بشكل لافت. هذا التزامن بين غياب الأول وتكثيف حضور الثاني على منصات التواصل ووسائل الإعلام الرسمية، فتح الباب واسعًا أمام التأويلات، من التساؤل عن الحالة الصحية لرأس الدولة إلى الحديث عن ترتيبات أعمق داخل بيت الحكم. وفي خضم ذلك، يذهب معارضون وإعلاميون إلى وصف أبوظبي بـ«الإمارة المارقة»، معتبرين أن ما يجري «إخفاء لكثير من الأسرار» خلف واجهات الصور المبهرة واللقاءات المدروسة بعناية.
ظهور مكثف لمنصور بن زايد في الواجهة
خلال الشهور الأخيرة، برز اسم الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس الدولة ونائب رئيس مجلس الوزراء ورئيس ديوان الرئاسة، بوصفه أحد أكثر الوجوه حضورًا في النشاط الرسمي الإماراتي. فقد ترأس اجتماعات رئيسية مثل لجنة الميزانية العامة للاتحاد لمناقشة مشروع ميزانية 2026، في لقاءات عُقدت في قصر الوطن بأبوظبي بحضور كبار المسؤولين، ما عزز صورته كفاعل مركزي في إدارة ملفات الدولة الاتحادية.
إلى جانب ذلك، تحرص وسائل الإعلام الرسمية على إبراز منصور بن زايد في سياقات قريبة من الشارع، من خلال رعايته فعاليات جماهيرية ورياضية، من بينها بطولة رمضانية تحمل اسمه وتشهد تغطية واسعة، ويتم وصف انطلاقتها بأنها «مبهرة» وذات حضور لافت. كما تتداول حسابات رسمية وغير رسمية على منصات مثل إنستغرام مقاطع ومنشورات يظهر فيها وهو يعلن إطلاق أو اعتماد استراتيجيات جديدة مرتبطة بـ«مكتب المؤسس» ونهج الدولة، في صياغة تعزز صورته كامتداد مؤسسي لنهج الآباء المؤسسين.
هذا التوسع في الحضور المرئي والخبري لمنصور بن زايد يترافق مع سردية إعلامية تُقدّمه كرجل دولة قريب من المؤسسات والمجالس الاتحادية والمواطنين، من قاعات الاجتماعات الرسمية إلى موائد رمضان والفعاليات الاجتماعية، في ما يراه منتقدون «هندسة متعمدة لصورة زعيم بديل أو شريك في السلطة».
غموض حول صحة وغياب محمد بن زايد
في المقابل، تحيط علامات استفهام كثيرة بتراجع الظهور العلني لمحمد بن زايد منذ نهاية 2025 وبدايات 2026، بعد سنوات كان خلالها الحاضر الأبرز في المشهدين الإقليمي والدولي. فقد أُلغيت زيارة رسمية كانت مقررة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى أبوظبي في 16 فبراير 2026، قبل أن يشير بيان تركي – حُذف لاحقًا – إلى «عارض صحي» أصاب رئيس دولة الإمارات، ما فتح الباب واسعًا أمام الشائعات والتكهنات.
كما تداولت وسائل إعلام ومواقع إخبارية عربية أنباء عن إدخال محمد بن زايد إلى المستشفى بصورة عاجلة، وسط حديث غير موثق عن جلطة دماغية أو وضع صحي حرج، من دون أن يصدر من أبوظبي أي بيان رسمي ينفي أو يؤكد هذه المعلومات. واكتفت وكالة الأنباء الإماراتية بالإشارة إلى اتصالات هاتفية بينه وبين عدد من القادة، من بينهم الرئيس التركي ورئيس وزراء اليونان، من دون إظهار صور أو لقطات فيديو حديثة تكشف حالته الصحية بشكل مباشر.
في الوقت نفسه، تشير تقارير إعلامية إلى أن آخر ظهور رسمي موثّق له كان خلال استقباله أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في أبوظبي، ثم توالت بعدها الأخبار في صيغة برقيات وتعازي واتصالات، من دون أن تُنشر لقطات ميدانية تقليدية كما جرت العادة. هذا النمط غير المعتاد في إدارة البروتوكول، إلى جانب الحملات المكثفة على شبكات التواصل التي تدعو له بالشفاء وطول العمر، يعزز شعورًا عامًا بوجود «أمر ما» خلف الكواليس، وإن ظل في إطار الترجيحات لا الحقائق الموثقة.
قراءة سياسية: بين «ترتيب بيت الحكم» و«إمارة مارقة»
هذا التوازي بين غياب محمد بن زايد وصعود منصور بن زايد بات يُقرأ لدى كثير من المراقبين كإشارة إلى إعادة توزيع للأدوار داخل هرم السلطة في أبوظبي، سواء كان ذلك في إطار تحضير لمرحلة ما بعد المرض أو كجزء من ترتيب أوسع يشمل ولي العهد خالد بن محمد بن زايد وشخصيات أخرى من العائلة الحاكمة. ويرى مختصون في الشأن الخليجي أن إبراز أكثر من وجه قيادي في الوقت نفسه هو أسلوب معتاد لطمأنة الأسواق والشركاء الدوليين، لكنه في الحالة الإماراتية الحالية اقترن بصمت رسمي خانق حول صحة رأس الدولة، ما يزيد من حساسية المشهد.
في الضفة المقابلة، يتعامل إعلاميون معارضون مع ما يجري بوصفه مؤشرًا على مأزق أعمق في مشروع أبوظبي الإقليمي. الصحفي الفلسطيني نظام المهداوي كتب على منصة «إكس» منشورًا حادًا يقول فيه إن غياب محمد بن زايد، الذي يصفه بـ«شيطان العرب»، بالتزامن مع الظهور المتكرر لمنصور بن زايد وإغراق وسائل التواصل بصوره وفيديوهاته «يخفي كثيرًا من أسرار هذه الإمارة المارقة»، في إشارة إلى أبوظبي. ويمكن الاطلاع على تغريدته عبر الرابط:
غياب شيطان العرب #محمد_بن_زايد، بالتزامن مع الظهور المتكرر لمنصور بن زايد، وإغراق وسائل التواصل بفيديوهاته وصوره، وتصويره كزعيم يلتقي بالمجلس الاتحادي والمواطنين وعلى موائد رمضان، يخفي كثيرًا من أسرار هذه الإمارة المارقة. pic.twitter.com/kUkgBDUVdD
— نظام المهداوي - Nezam Mahdawi (@NezamMahdawi) February 24, 2026
هذه اللغة التصعيدية تعكس حجم الغضب لدى معارضي سياسات أبوظبي، الذين يحمّلون محمد بن زايد مسؤولية أدوار إقليمية مثيرة للجدل، من التدخل في حروب ونزاعات عربية إلى بناء تحالفات عميقة مع إسرائيل، ويرون في أي غموض يتعلق بمستقبل حكمه بداية مرحلة «إعادة تموضع» في المنطقة. في الوقت ذاته، تبقى كل السيناريوهات مفتوحة، بين احتمال أن يكون الحديث عن أزمة صحية مبالغًا فيه، أو أن يكون الغياب جزءًا من إدارة مشهد انتقالي هادئ داخل البيت الحاكم، في دولة تشتهر بالتكتم الشديد على ملفاتها الداخلية الحساسة.
وبينما يترقب الشارع العربي والإقليمي ظهورًا علنيًا واضحًا لمحمد بن زايد يقطع الشك باليقين، يستمر منصور بن زايد في ملء الفضاء الإعلامي والرسمي، ما يجعل كل صورة جديدة له، وكل بيان عن نشاط يرأسه، مادة إضافية في نقاش واسع حول من يحكم الإمارات اليوم، ومن سيحكمها غدًا.

