منشور المستشار السابق وليد شرابي عن أسقاطه على السيسي إنه «شخص مريض نفسي يحكم مصر منذ 13 سنة» يعبّر عن خطاب يكشف حقبة قمعية ويرى أن بنية الحكم الحالية قائمة على خوف دائم من المستقبل وهوس بالمحاسبة، ويستند في منطقه إلى حصيلة ممتدة من القمع وتقييد المجال العام منذ 2013.

 

خوف من المحاسبة أم استراتيجية حكم؟

 

شرابي كتب على حسابه أن «مصر بتعاني من شخص مريض نفسي من 13 سنة وهو عايش في لحظة خيانته ومش قادر يخرج منها، خايف من المستقبل فبيضطر يدافع عن نفسه من قبل ما يتحاكم».

 

 

الكلام لا يقدَّم كتشخيص طبي بل كوصف سياسي لشخصية السيسي، يرى شرابي أنها محكومة بهاجس اللحظة التي وصل فيها للسلطة وما تلاها من أحداث دامية وملفات مفتوحة يمكن أن تتحول في أي لحظة إلى مواد اتهام ومحاكمة.

 

في خلفية هذا الخطاب تقارير حقوقية متراكمة عن توسع غير مسبوق في الاعتقال والحبس الاحتياطي بعد 2013، وتعديلات دستورية وقانونية منحت الرئيس صلاحيات أوسع ومدّدت بقاءه في الحكم، ما يعزز صورة نظام يُحكم إحكامه تجنبًا لأي انتقال قد يفتح باب الحساب.

 

القمع الطويل وإغلاق السياسة

 

تقرير للمركز العربي للأبحاث وصف ما جرى بعد 2013 بأنه انتقال إلى مستوى «مقلق» من القمع، مع ارتفاع نصيب الفرد من السجناء بنسبة 71% في السنوات الأولى من حكم السيسي، وتوسيع صلاحيات الرئيس والأجهزة الأمنية عبر تعديلات دستورية وقوانين للجمعيات الأهلية والفضاء السيبراني.

 

منظمة العفو الدولية وثّقت بدورها «تدهورًا كارثيًا» في أوضاع حقوق الإنسان، عبر قوانين تشدد القيود على الإعلام والمنظمات والنقابات، وتمنح حصانات إضافية لكبار العسكريين عن جرائم الفترة 2013–2016، وتُستخدم لملاحقة المعارضين السلميين وتعميق الإفلات من العقاب في قضايا التعذيب والاختفاء القسري.

 

هيومن رايتس ووتش وتقارير حقوقية محلية حديثة، منها تقرير لمؤسسة «هيومينا»، أشارت إلى استمرار نمط الحبس الاحتياطي الطويل، وتدوير القضايا، ومنع السفر، ومصادرة المجال العام، بما حوّل السياسة إلى مساحة مغلقة تقريبًا أمام أي منافسة حقيقية أو تداول سلمي للسلطة.

 

كيف يقرأ الخبراء خطاب الخوف والسيطرة؟

 

الخبير السياسي يزيد صايغ، في تحليله لبنية الحكم في مصر بعد 2013، يرى أن النظام يعتمد على مزيج من القمع وتوزيع الريع على مؤسسات القوة (خاصة الجيش والأجهزة)، وأن الرئيس يستخدم التغييرات المستمرة في القيادات العسكرية كوسيلة للسيطرة والحيلولة دون تشكل مركز قوة بديل، لكنها في الوقت نفسه تعكس خوفًا من الانقلاب عليه.

 

ماجدالينا مغربي، من منظمة العفو الدولية، تعتبر أن سيل القوانين القمعية وتحويل القضاء إلى أداة لإسكات النقد «محاولة لتطبيع حالة الاستثناء»، وتؤكد أن هذا النمط من الحكم يخلق أزمة ثقة عميقة بين النظام والمجتمع، ويُبقي احتمال الانفجار أو الصدام حاضرًا حتى لو بدا السطح مستقرًا.

 

تقرير حديث لمنظمة هيومن رايتس ووتش عن «تفاقم القمع والفقر في العقد الثاني من حكم السيسي» يشير إلى أن السلطة توسع القبضة الأمنية في الوقت نفسه الذي تتراجع فيه المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية، ما يربط الحفاظ على الحكم مباشرة بمزيد من السيطرة والخشية من أي احتجاج اجتماعي واسع.

 

دراسة لمركز «رؤيا للبحوث والدراسات» عن «الحالة المصرية ومخاطر الركود السياسي» تحذر من أن استمرار إغلاق المجال العام، مع ضعف مؤسسات الوساطة (أحزاب، نقابات، إعلام مستقل)، يراكم غضبًا مكتومًا ويجعل النظام أكثر حساسية لأي تحرك، فيضاعف اعتماده على الأمن بدل السياسة.

 

بين الشخص والنظام: أين تنتهي النفسية وأين تبدأ السياسة؟

 

تحليلات يسارية وديمقراطية مستقلة، مثل دراسات منشورة على مواقع بحثية تعاين «سيناريوهات التغيير السياسي في مصر»، تشير إلى أن تركيز الخطاب المعارض على «السيسي» قد يغفل أن جوهر المشكلة أوسع: تحالف عسكري–أمني–اقتصادي يستفيد من استمرار الوضع القائم، بصرف النظر عن شخصية السيسي نفسه.

 

هذه القراءات ترى أن القمع الممتد، وتعديل الدستور لتحصين مواقع السلطة، وربط قطاعات واسعة من الاقتصاد بالمؤسسة العسكرية، هي خيارات إستراتيجية لنخبة حاكمة كاملة، بالإضافة لنتاج «اضطراب نفسي» لشخصية السيسي.

 

في هذا السياق، يصبح كلام وليد شرابي جزءًا من معركة طويلة ضد إسقاط القبضة الحديدية والذي يصف النظام بأنه يعيش في خوف دائم من لحظة الحساب، يوسّع سجونه وقوانينه؛ لأنه مقتنع بأن مصيره الطبيعي هو أن يُحاسَب يومًا ما على ما ارتُكب في سنوات الحكم.