يقف الشرق الأوسط في عام 2026 أمام مشهد شديد الهشاشة؛ صراع لا يرغب فيه أحد تقريبًا، لكنه يقترب بخطى ثابتة نتيجة تآكل الردع وتضارب الحسابات الاستراتيجية. فعلى مدى عقد كامل، فقد التهديد العسكري الأمريكي جزءًا كبيرًا من مصداقيته، في وقت أتقنت فيه إيران لعبة كسب الوقت وتحويله إلى أداة تفاوضية فعّالة. وبين هذا وذاك، تجد إسرائيل نفسها أمام معادلة وجودية لا يحلّها اتفاق نووي تقني بقدر ما يعقّدها ميزان الردع المختل.

 

المفارقة الكبرى أن طرفين لا يسعيان إلى الحرب يقتربان منها، ليس بدافع الرغبة في المواجهة، بل نتيجة شعور متبادل بانعدام البدائل. الولايات المتحدة كثّفت في الأسابيع الأخيرة جهودها للتوصل إلى اتفاق مع طهران، ولو اقتصر على الملف النووي، غير أن هذه المساعي لم تُفضِ إلى اختراق حاسم. في المقابل، لا تبدو إيران متعجلة لخوض مواجهة مفتوحة، لكنها ترفض الإنذارات النهائية، وتواصل الرهان على الاستراتيجية التي خدمت مصالحها لسنوات: إطالة أمد الأزمة إلى أن يتراجع الخصوم أو يعودوا إلى طاولة المفاوضات بشروط أكثر مرونة.

 

تآكل الردع وتحويل الوقت إلى سلاح

 

جوهر الأزمة يكمن في تراجع مصداقية التهديد العسكري الأمريكي خلال العقد الماضي. فقد ترسّخ انطباع إقليمي مفاده أن القوة تُستخدم أداة ضغط دبلوماسية أكثر من كونها خيارًا عمليًا قابلاً للتنفيذ. ونتيجة لذلك، بات أي تهديد يُنظر إليه باعتباره غير موثوق، إلى أن تقع الضربة الأولى فعليًا.

 

تجد إيران صعوبة في تصديق أن “هذه المرة مختلفة”. فقد نجحت، في جولات سابقة، في إعادة صياغة قواعد اللعبة عبر فتح قنوات جديدة والتوصل إلى صيغ تفاوضية بديلة كلما تصاعد الضغط. وهي تعوّل كذلك على أن دول الجوار العربية، التي عاشت في الأشهر الأخيرة حالة من القلق، ستفضّل الحياد على الانخراط في صراع مباشر.

 

في شرق أوسط عام 2026، لا يُستعاد الردع بالكلمات، بل بالفعل. هذه المعادلة أعادت النقاش إلى نقطة التحول في العقد الماضي، حين دقّت إسرائيل ناقوس الخطر مرارًا، بينما تعاملت واشنطن مع التهديد العسكري بوصفه أداة ردع لفظي أكثر منه خيارًا عملياتيًا حاسمًا.

 

حسابات “اليوم التالي” وخيبة الرهان على الداخل الإيراني

 

في الطريق إلى هذا المأزق، برزت رهانات لم تتحقق. بعض مستشاري الرئيس الأمريكي دونالد ترامب افترضوا أن تصاعد الحشد العسكري في الخليج والضغط الاقتصادي سيحفّزان الشارع الإيراني على العودة إلى الاحتجاج، بما يشكّل عاملًا داخليًا مكمّلًا للضغط الخارجي. غير أن هذا السيناريو لم يتحقق؛ إذ لم تظهر “قوة برية” داخلية تُغيّر موازين اللعبة.

 

وهنا طُرح سؤال “اليوم التالي” بإلحاح: ما البديل للنظام القائم في طهران؟ ومن يضمن أن سقوطه سيُنتج نظامًا أكثر اعتدالًا واستقرارًا؟ إيران تجاور أفغانستان وباكستان، وهما دولتان شكّلتا مصدر قلق طويل الأمد في الذاكرة الاستراتيجية الأمريكية. من منظور واشنطن، قد يبدو انهيار نظام آية الله فرصة تاريخية، لكنه في الوقت ذاته مقامرة عالية المخاطر، قد تفتح الباب أمام فوضى إقليمية أوسع.

 

إسرائيل بدورها لديها أسباب إضافية للقلق. فخلال عام 2025، خصوصًا منذ عملية “الأسد الصاعد”، أدركت تل أبيب هشاشة جبهتها الداخلية. سقوط صاروخ واحد في قلب البلاد قادر على تغيير المزاج العام، وضرب الاقتصاد، وزعزعة الشعور بالأمان. حتى مع منظومة دفاع جوي فعالة بنسبة 90 في المئة، فإن بضع ضربات دقيقة ومتكررة كفيلة بشل الحياة الوطنية تدريجيًا.

 

الخلاف الإسرائيلي–الأمريكي حول أولوية التهديدات ليس جديدًا. فقد ركزت إسرائيل لسنوات على الصواريخ الباليستية بعيدة المدى التي تطال أراضيها مباشرة، بينما انشغلت واشنطن أساسًا بحماية قواتها وقواعدها في الخليج والعراق من الصواريخ القصيرة والمتوسطة المدى. من منظور الكونغرس، أولوية الحماية كانت للجنود الأمريكيين، لا لإسرائيل التي يُفترض أنها قادرة على الدفاع عن نفسها.

 

لهذا، تركزت الجهود التفاوضية على وقف البرنامج النووي الإيراني، حيث يوجد تداخل واسع بين المصالح الأمريكية والأوروبية والإقليمية. أما ملف الصواريخ الباليستية، فظلّ مجال تباين جزئي وأحيانًا تناقض صريح في المصالح. بالنسبة لإسرائيل، لا يكفي تهدئة الملف النووي بينما يتفاقم خطر الصواريخ الدقيقة.

 

بين وهم تغيير النظام وواقعية تقويض القدرات

 

فكرة تغيير النظام في إيران قد تبدو مغرية سياسيًا، لكنها تفتقر إلى وصفة عملية واضحة. التجارب الحديثة أثبتت أن العلاقة بين استخدام القوة العسكرية وتحقيق تحول سياسي داخلي ليست علاقة سببية مباشرة. القوة الجوية قادرة على تدمير قدرات، لكنها لا تستطيع أن تحدد من سيرفع الراية في نهاية المعركة.

 

الحرب في غزة أعادت التأكيد على هذا الدرس: إسقاط نظام واستبداله بآخر موالٍ ليس عملية ميكانيكية يمكن ضمان نتائجها. وإيران، بحجمها الجغرافي والديموغرافي الذي يفوق إسرائيل بعشرات المرات، ليست ساحة يمكن تطبيق منطق “الفعل والنتيجة” فيها بالبساطة ذاتها.

 

في هذا السياق، يبدو الهدف العسكري الواقعي أكثر تحديدًا: إلحاق ضرر جسيم بالقدرات الإيرانية، وتقويض منظومات الردع لديها، وتقليص قدرتها على إلحاق الأذى بجيرانها وخصومها. معظم القوات المنتشرة في الخليج تهدف أساسًا إلى تحييد قدرة إيران على توجيه ضربات غربًا، لا بالضرورة إلى تمهيد الطريق لهجوم شامل على طهران.

 

إيران، من جانبها، لا تحتاج إلى نصر حاسم بقدر ما تحتاج إلى البقاء. يكفيها أن تُلحق أضرارًا كافية بخصومها لتبرير خطابها الصدامي وإطالة أمد المواجهة حتى يتراجع الغرب. التجارب في أفغانستان والعراق ليست بعيدة عن الذاكرة. كما أن تكلفة الحرب، إذا اندلعت، لن يتحملها صناع القرار في طهران بقدر ما سيتحملها المواطن الإيراني العادي.

 

في ضوء ذلك، فإن الأمل الواقعي – إن وُجد – لا يكمن في إسقاط مُحكم للنظام، بل في عملية عسكرية محدودة الأهداف تُضعف القدرات الإيرانية بشكل منهجي، وتُعيد ترميم الردع المفقود. فالدرس الأبرز في السنوات الأخيرة واضح: عندما يتآكل الردع، يبدأ العد التنازلي تلقائيًا، وتتحول كل أزمة إلى شرارة محتملة لانفجار أكبر.