منذ بدء الغزو الروسي لأوكرانيا قبل أكثر من عامين، نزح ملايين الأوكرانيين عن ديارهم وسقط آلاف القتلى المدنيين، مع دمار واسع في المساكن والبنية التحتية. رغم ذلك، لم يظهر في الخطاب العام الغربي أو الأوكراني تيار واسع يطالب كييف بتسليم السلاح أو وقف القتال بأي ثمن. هذا التباين هو محور تغريدة الكاتب الفلسطيني د. فايز أبو شمالة، التي استدعت أرقام الحرب الأوكرانية لمقارنة طريقة التعامل مع المقاومة هناك بما يوجَّه من دعوات دائمة لنزع سلاح المقاومة الفلسطينية.
11 مليون نازح في أوكرانيا من بيوتهم
— د. فايز أبو شمالة (@FayezShamm18239) February 24, 2026
15 ألف قتيل مدني في أوكرانيا، وعشرات آلاف الجرحى
وتم تدمير عشرات آلاف البيوت الأوكرانية على رؤوس أصحابها.
ومع ذلك لم يخرج مواطن أوكراني واحد ليقول بمذلة:
سدّوا الذرائع، وسلموا سلاح المقاومة، واستسلموا أمام العدو!
أرقام أوكرانيا في خطاب أبو شمالة
تقديرات الأمم المتحدة تشير إلى أن عدد الأوكرانيين الذين اضطروا لمغادرة منازلهم بسبب الحرب تجاوز 10.6 مليون شخص، بين نازح داخلي ولاجئ في الخارج، أي ما يقارب ربع سكان البلاد قبل الغزو. هذه الأرقام تشمل نحو 3.7 مليون نازح داخل أوكرانيا، إلى جانب ملايين آخرين في دول الجوار الأوروبية، مع استمرار حركة نزوح وعودة محدودة مرتبطة بتبدّل خطوط القتال والوضع الأمني في المدن والقرى المتضررة.
في موازاة ذلك، توثق تقارير أممية مقتل أكثر من 14–15 ألف مدني، مع عشرات آلاف الجرحى وتدمير أو تضرر مئات الآلاف من الوحدات السكنية، وهو ما يضع الحرب الروسية على أوكرانيا ضمن أكبر الكوارث الإنسانية في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية من حيث حجم النزوح والضرر المادي. هذه الخلفية الرقمية هي ما يلخّصه د. فايز أبو شمالة في تغريدته بأرقام تقريبية عن 11 مليون نازح، و15 ألف قتيل مدني، وعشرات آلاف الجرحى، ليستنتج أن كل هذا الثمن لم يتحول إلى حجة داخلية أو خارجية لنزع سلاح الأوكرانيين أو مطالبتهم بالاستسلام لروسيا.
الكاتب الفلسطيني نظام المهداوي، رئيس تحرير موقع “عرب 48”، يرى في مقالاته وتعليقاته أن استحضار المثال الأوكراني بهذا الشكل ليس نقاشًا في تفاصيل الحرب هناك بقدر ما هو أداة لعكس المرآة على الحالة الفلسطينية، موضحًا أن الأرقام في الحالتين تكشف حجم الكلفة الإنسانية، لكن طريقة إدارة النقاش حول شرعية المقاومة تختلف تمامًا بين الملفين، رغم أن كليهما يدور حول شعب يواجه قوة عسكرية أكبر على أرضه.
من كلفة الحرب إلى سؤال: لماذا يُطلب نزع سلاح الفلسطيني لا الأوكراني؟
في تغريدته، يطرح أبو شمالة سؤالًا سياسيًا مباشرًا: إذا كان نزوح 11 مليون إنسان ومقتل 15 ألف مدني في أوكرانيا لم يؤديا إلى خطاب واسع يطالب بتسليم السلاح للعدو ووقف المقاومة، فلماذا تتحول الكلفة البشرية في غزة والضفة إلى مدخل دائم للمطالبة بنزع سلاح المقاومة الفلسطينية بدعوى “حماية المدنيين” أو “سد الذرائع”؟ السؤال لا يستهدف التقليل من معاناة الأوكرانيين، بل يستخدم تجربتهم كما تظهر في الإعلام والسياسة لتسليط الضوء على ازدواجية المعايير في تقييم حق الشعوب في المقاومة.
المفكر العربي عزمي بشارة يشير في كتبه ومحاضراته عن فلسطين والحروب الحديثة إلى أن الغرب يمنح بسهولة شرعية غير مشروطة لحق الأوكرانيين في الدفاع المسلح عن بلدهم، بينما يُحاصَر حق الفلسطيني في المقاومة بشبكة من الاشتراطات السياسية والأمنية، من توصيف الفصائل إلى شروط التمويل والدعم. هذا الفارق، في رأيه، لا يرتبط فقط بوقائع الحرب بل بمنظومة أوسع من التحيزات الثقافية والسياسية في النظام الدولي، تظهر بوضوح حين تُقارَن التغطية الإعلامية والتأييد السياسي لأوكرانيا بما يجري في غزة.
الباحثة القانونية الفلسطينية–الأمريكية نورة عريقات تؤكد في دراساتها أن القانون الدولي نفسه يعترف بحق الشعوب الواقعة تحت الاحتلال في مقاومته، وأن التركيز الحصري على “وقف النار بأي ثمن” دون معالجة بنية الاحتلال يجعل المدنيين تحت رحمة قوة مسلحة متفوقة بلا أفق سياسي. من هذه الزاوية، ترى أن تحويل معاناة المدنيين في غزة إلى حجة ضد المقاومة، بدل أن تكون حجة على استمرار الحصار والعدوان، يعكس قلبًا للمعادلة القانونية والأخلاقية، وهو ما يلمّح إليه أبو شمالة حين يقارن بين ما يُطلب من الفلسطيني وما لا يُطلب من الأوكراني.
أوكرانيا مرآة لخطاب المقاومة في العالم العربي
بعيدًا عن التفاصيل الإحصائية، يستخدم أبو شمالة تجربة الحرب الأوكرانية كمرجع في الجدل العربي حول المقاومة الفلسطينية؛ فهو يذكّر بأن المجتمع الدولي يحتفي بـ“صمود” الأوكرانيين ويرى استمرارهم في القتال تعبيرًا عن إرادة وطنية، رغم الثمن البشري والمادي الضخم، في حين تُوصَف خيارات الفلسطيني في كثير من الخطابات العربية والدولية بأنها “مغامرة” أو “عدم تقدير للكلفة”، مع تحميل المقاومة مسؤولية جزء كبير من الضحايا، وتجاهل أن الاحتلال نفسه هو من يملك قرار الحرب والسلم على الأرض.
نظام المهداوي، ونشطاء وإعلاميون آخرون متابعون للملف الفلسطيني، يربطون بين هذه المقارنة وبين طريقة تغطية الإعلام الغربي والعربي للحالتين؛ ففي أوكرانيا يبرز السرد حول الدفاع عن الوطن وحماية السيادة، بينما في فلسطين يغيب سياق الاحتلال الممتد منذ 1948 لصالح التركيز على أحداث أمنية معزولة، ما يجعل أي فعل مقاوم يبدو خارج السياق التاريخي.
المحلل السياسي مروان بشارة يلفت بدوره إلى أن الدعم العسكري والمالي الواسع الذي تحصل عليه أوكرانيا لم يُقرأ في الغرب بوصفه “تحريضًا على استمرار الحرب”، بل بوصفه التزامًا بـ“الدفاع عن القيم الأوروبية”، بينما أي محاولة لدعم المقاومة الفلسطينية تُصنَّف بسهولة ضمن “دعم الإرهاب” أو “تهديد الاستقرار”. هذا التناقض، من وجهة نظره، يفسر لجوء كتّاب فلسطينيين مثل أبو شمالة إلى الأرقام الأوكرانية لتثبيت حجة سياسية: أن معيار قبول المقاومة أو رفضها في الخطاب الدولي لا يرتبط بحجم الكارثة الإنسانية، بل باسم الشعب الذي يتعرض لها.
في النهاية، التقرير الرقمي الذي يستند إليه د. فايز أبو شمالة في تغريدته ليس محاولة لكتابة تاريخ مفصل لحرب أوكرانيا، بل استخدام واعٍ لمثال حيّ يواجه فيه شعب غزوًا مباشرًا ولا يُطلب منه تسليم سلاحه، لمساءلة الخطاب الذي يطالب الفلسطيني الخاضع للاحتلال والحصار بالضبط بعكس ذلك. هذه المقارنة لا تحسم الجدل حول كل تفاصيل المقاومة في فلسطين، لكنها تضع إصبعًا واضحًا على ازدواجية معيار تُمنح فيه شعوب حق الدفاع عن نفسها دون شروط، بينما يُطلب من شعب آخر أن يدفع الثمن مرتين: مرة تحت القصف، ومرة حين يُحمَّل وحده مسؤولية رفض الاستسلام.

